آتامانشا

حياة (ماريوسيا نيكيفوروفا)
The Life of Marusya Nikiforova 1885 - 1919
بقلم : (ملكولم آرشيبالد)
Malcolm Archibald
ترجمة : نهى كمال

Submitted by noha_kamal on February 8, 2014

تقديم

أحيانا ما تقارن الأناركية الأوكرانية (ماريا نيكيفوروفا) Maria Nikiforova , بـ (جان دارك) Joan of Arc , و قد بدأت مثل (جان دارك) حياتها من أصول متواضعة , لتنتهي بشكل لا يصدّق , قائدة عسكرية شرسة , لتعتقل في النهاية و يتم إعدامها من قبل أعدائها اليمينيين . و تماما كما كانت (جان دارك) , كانت (ماريوسيا) متعصبة لأهدافها التي سعت إليه بشكل عنيف و طريقة لا تعرف الرحمة .

لكن ليس لـ (ماريا نيكيفوروفا) مظاهر تقديس كضريبتها , و لا صفوف من الكتب المكرسة لحياتها بأي لغة . و على الرغم من أنها قد لعبت دورا بارزا في الثورة الروسية 1917 , و الحرب الأهلية اللاحقة , إلا أنّ اسمها قد شطب تقريبا من الرواية السوفياتية اللاحقة لتلك الفترة . فقاموس السير الذاتية للثورة الروسية , المنشور في الإتحاد السوفياتي , و الذي يضم مئات الأسماء , لا يذكرها , و هو في الواقع لا يذكر سوى بضع عشرات من النساء . نعم هناك مقالات عن بطلات بلشفيات : (ألكساندرا كولنتاي) Alexandra Kollontai , (لاريسا رايسنر) Larissa Reissner , (إنيسا آرماند) Inessa Armand , لكن أيا من أولئك النسوة لم تكن قائدة عسكرية مستقلة , مثل (نيكيفوروفا) .

لا يوجد ترجمة لحياة (ماريا نيكيفوروفا) , و لا دراسة علمية لحياتها , يمكن البدء منها لتطويرها أو إعادة تفسيرها . ربما لأنها قد أمضت معظم حياتها بعيدا عن الأضواء , فقد أنضمّت لمجموعة أناركية إرهابية و هي بعمر السادسة عشرة , و لم تظهر تحت الأضواء إلا بين عامي , 1917 - 1919 . لذلك فإن هناك عدد جد قليل من الوثائق التي تتابع أنشطتها , و لا تكاد توجد صور . و على أية حال فإن إمكانية التعرف على الإرهابي أمر قاتل بالنسبة له , و هكذا كانت (نيكيفوروفا) في نهاية المطاف . و عادة , فإن التقارير المتوفرة عن حياتها تنتمي لعالمي المذكرات أو الأدب . و هي في معظمها معادية , و تميل إلى تصويرها بصورة مثيرة للاشمئزاز على أنها شر خالص .

و على الرغم من أن (نيكيفوروفا) كانت أوكرانية , و على الرغم من أن نشاطها خلال الثورة الروسية و الحرب الأهلية قد تركز في أوكرانيا , إلا أنه قد تمت تجاهلها إلى حد كبير من قبل المؤرخين الأوكرانيين . و بسبب من معاداتها للقومية , مثلها في ذلك مثل الحركة الأناركية الأوكرانية في المجمل , فقد تم أقصاؤها من المنظور التاريخي القومي الأوكراني .

و حتى الكتّاب المتعاطفين مع الحركة الأناركية , تجاهلوها , كقاعدة عامة . و على الرغم من ارتباطها الوثيق بالأناركي الفلاحي (نستور ماخنو) Nestor Makhno , فإن الكتب التي تستطلع أعمال ماخنو تكاد تخلو من أي ذكر لها . على الرغم أنها كانت بالفعل مشهورة في جميع أنحاء أوكرانيا بإعتبارها (آتامانشا) атаманша = قائدة عسكرية , أناركية , في الوقت الذي كان فيه (ماخنو) لا يزال شخصية مغمورة , يعمل في الظل . و ليس لها أثر في كتابات , (بيتر آرشينوف) Peter Arshinov , أو (فولين) Volin , أو (بول آفريتش) Paul Avrich , و لم يخصص كتاب (ألكسندر سكيردا) Alexandre Skirda عن (ماخنو) لها سوى فقرة واحدة من عمل ينيف على الصفحات الأربعمائة . لكن مذكرات (ماخنو) نفسه , و التي لا تغطي سوى 22 شهرا من الثورة و الحرب الأهلية , تقدّم شهادة عيان عن عدد من الحوادث المثيرة التي لعبت فيها (نيكيفوروفا) دورا قياديا . كما تعتبر كتابات (فيكتور بيلاش) Victor Belash , معاون (ماخنو) , و التي تم استنقاذها من ملفات الشرطة السوفياتية السرية , مصدرا أساسيا عنها .

و قد ظهر أثر الاهتمام , في كل من روسيا و أوكرانيا , عقب انهيار الاتحاد السوفياتي , بملء " البقع البيضاء" في التاريخ , في نشر العديد من الكتب عن (ماخنو) , و بضعة مقالات عن (نيكيفوروفا) . و قد أتاح نشر الأرشيفات بعض المعلومات المتماسكة , مثل سجل خدمة (نيكيفوروفا) , لأنها كانت في وقت ما تنتمي للجيش الأحمر . و تدريجيا أصبح من الممكن إلقاء الضوء على حياتها و إنشاء سرد موثوق به إلى حد مقبول لأعمالها , بالرغم من بعض النقاط الغامضة .

في المسودة التالية , نحاول رسم صورة لحياة (نيكيفوروفا) بناء على المصادر الثانوية المنشورة باللغتين الروسية و الأوكرانية , خلال العقدين الماضيين .
__________________________________________

ولدت (ماريا جريجوريفنا نيكيفوروفا) Maria Grigorevna Nikiforova , Мария Григорьевна Никифорова في مدينة (ألكساندروفسك) Aleksandrovsk , سنة 1885 , لضابط من أبطال الحرب الروسية التركية , و على الرغم من أن هذه القصة قد تساعد على تفسير مهارتها الحربية التي ستبديها في وقت لاحق , إلا أنها قليلة الإحتمال جدا . فحتى بالنسبة لإبنة ضابط فقيرة , لم يكن من المرجح أن تترك المنزل في سن السادسة عشرة لتكسب قوتها , كما فعلت (ماريا) .

بنهاية القرن التاسع عشر , كانت مدينة (ألكسندروفسك) تتطور بسرعة نحو التصنيع , و كان يسكنها عدد كبير من العمال . و على الرغم من أن ظروف ذلك الزمن كانت تتيح فرص عمل قليلة للنساء , إلا أن (ماريا) كانت قادرة على العثور على عمل كحاضنة للأطفال , و بائعة في متجر , و أخيرا , كغاسلة زجاجات في معمل لتقطير الفودكا .

(ألكسندروفسك) في نهاية القرن التاسع عشر

و في نفس الوقت تقريبا الذي أصبحت فيه عاملة في مصنع , انضمت (نيكيفوروفا) إلى مجموعة محلية من الأناركيين الشيوعيين . و قد تميّز هذا الإتجاه السياسي عن غيره من الجماعات اليسارية الأخرى , بما في ذلك الأتجاهات الأخرى من الأناركية , في أعتقاده بأن المجتمع البشري قد وصل بالفعل إلى مستوى يسمح له بالانتقال الفوري إلى الشيوعية . و قد ظهر الأناركيون الشيوعيون الأوائل في أوكرانيا سنة 1903 , و أحرزوا نجاحا كبيرا بين شباب الطبقة العاملة في المراكز الصناعية . و خلال أحداث 1905 - 1907 , كان هناك ما لا يقل عن 90 مجموعة أناركية شيوعية في أوكرانيا .. كانوا أكثر عددا و أفضل تنظيما من نظرائهم في روسيا .

و قد اعتنقت الكثير من هذه المجموعات , بما في ذلك المجموعة التي أنتمت إليها (ماريا) فكرا إرهابيا غير تحريضي , يدعو إلى ضرورة مهاجمة عناصر القمع الإقتصادي , بناءا على موقف طبقي مسبق . هذا الإرهاب الإقتصادي يعتبر نقلة نوعية عن الأنواع السابقة من الإرهاب الروسي , الذي استهدف فيه الإرهابيون الطغاة السياسيين . و بعد قضاءها فترة الإختبار , أصبحت (ماريا) مقاتلة كاملة العضوية , боевик , مخولة للمشاركة في عمليات المصادرة , لجمع المال من أجل القضية , و في الأعمال الإرهابية .

إن عصرنا الحالي لا يفتقر إلى أمثلة عن الإرهاب غير التحريضي , لكن من الضروري أن نحاول رؤية الإرهابيين الأناركيين الأوكرانيين في سياق زمنهم , و ليس زمننا . كانت السنوات الأولى من القرن العشرين , سنوات إحباط مكبوت في صفوف الطبقات الدنيا في الإمبراطورية الروسية , بسبب فشل النشاط الثوري في تغيير النظام السياسي و الإجتماعي في البلاد بأية طريقة مجدية . و كان على رأس هذه الإمبراطورية ملكا , يعد عضوا شرفيا في منظمة تعادل تقريبا الـ (كلو كلوكس كلان) Klu Klux Klan . و في ظل الظروف السائدة , لم يكن الأناركيون وحدهم من أنخرط في أعمال الإرهاب . بل أنخرط فيه كافة المجموعات الإشتراكية . و في الواقع , حتى الليبراليين من الطبقة الوسطى انخرطوا في الإرهاب ضد القمع القيصري . و على الرغم من أن الأناركيين الروس لم يتعدوا أبدا بضعة آلاف , إلا أن صفوف المتعاطفين معهم كانت أكثر من ذلك بكثير .

و قد شاركت (ماريا) في هجوم بالقنابل على قطار للركاب . و على الرغم من أن أحدا لم يصب , إلا أنه قد تم إرهاب بعض الركاب الأثرياء . و تسببت قنبلة أخرى في قتل مدير مصنع , مما ترتب عليه إغلاق المصنع لفترة طويلة , و أدى هجوم على مكاتب تجارية للآلات الزراعية , في (ألكسندروفسك) في مقتل حارس و موظف الصندوق , و سرقة 17 ألف روبل . و عندما حاصرتها الشرطة أخيرا , حاولت (ماريا) الانتحار بتفجير قنبلة في نفسها , و لما لم تنفجر القنبلة , فقد أنتهى بها المطاف في السجن ....

و اشتملت محاكمتها في 1908 على اتهامها بقتل شرطي و المشاركة في عمليات سطو مسلح في أربعة مواقع مختلفة . و حكمت المحكمة على الفتاة الأناركية الشابة بالإعدام , ثم ما لبثت أن خففت الحكم , بسبب سن ماريا , لأن الإمبراطورية الروسية كانت تعتبر سن الرشد الحادية و العشرين , إلى عشرين عاما مع الأشغال الشاقة . و نقلت (ماريا) أولا إلى قلعة (بترو - بافلوفسك) Petro-Pavlovsk في العاصمة الروسية , ثم نقلت إلى سيبيريا لتنفيذ الحكم الصادر ضدها هناك .

و إنه من الصعب تحديد , متى بالضبط , و في أي مرحلة من حياتها أطلق على (ماريا نيكيفوروفا) اسم (ماريوسيا) Marusya , و هي صيغة تصغير سلافية - من ضمن صيغ عديدة - لـ (ماريا) . و الفولكلور دائما ما يشير إليها كـ (ماريوسيا) , بل و يسمح حتى للغرباء بمناداتها بـ (ماريوسيا) , و لذلك سنعتمد نحن أيضا هذا الاسم .
__________________________________________

سنوات التجوال

لم تمكث (ماريوسيا) في سيبيريا طويلا . و وفقا لإحدى الروايات , أنها قد نظّمت أعمال شغب في سجن (ناريمسك) Narymsk 1910 , ثم نجحت في الفرار عبر التايجا إلى السكك الحديدية السيبيرية الكبرى , لتصل في نهاية المطاف إلى (فلاديفوستوك) Vladivostok , و منها إلى اليابان . و هناك ساعدها عدد من الطلبة الأناركيين الصينيين , فدبروا لها تذكرة إلى الولايات المتحدة, حيث وجدت منزل مؤقت بين مجموعة كبيرة من الأناركيين المهاجرين من الإمبراطورية الروسية , و الذين كانوا ذوي أصول يهودية في الأساس , و قد استقروا في نيويورك و شيكاغو . و يبدو أن (ماريوسيا) قد نشرت العديد من المواد الدعائية الأناركية باللغة الروسية , تحت أسماء مستعارة مختلفة .

و في حدود 1912 , عادت (ماريوسيا) إلى إوروبا , و استقرت في باريس , و في عام 1913 , قامت بزيارة إسبانيا , حيث تشاركت هناك في معارفها عن "الإجراءات" مع الأناركيين الإسبان . و بينما كانت تشارك في عملية سطو على بنك في (برشلونة) , تعرضت (ماريوسيا) للإصابة , و اضطرت للخضوع سرا للعلاج في عيادة في فرنسا .

و في خريف 1913 , عادت مرة أخرى إلى (باريس) , تتسكع في المقاهي , مع الشعراء و الفنانين , و تجتمع مع مختلف السياسيين الروس , بما في ذلك الإشتراكي الديموقراطي (فلاديمير أنتونوف - أوفسينكو) Vladimir Antonov-Ovseyenko , و الذي سينقذها فيما بعد من بعض المواقف العصيبة . و هناك أكتشفت في نفسها موهبة , أو على الأقل أكتسبت ميلا , إلى الرسم و النحت , و انتظمت لبعض الوقت في مدرسة للفن .

و في ذلك الوقت أيضا تزوجت (ماريوسيا) كم الأناركي البولندي (فيتولد بزوستيك) Witold Bzhostek . و كان زواجهما بالتأكيد موفقا لو نظرنا إلى أن الزوجين كانا يقضيان فترات طويلة بعيدا عن أحدهما الآخر . و قد استمرت (ماريوسيا) في استخدام لقبها قبل الزواج . و يبدو أنهما قد أخلصا لبعضهما البعض حتى النهاية .

و في نهاية 1913 , حضرت (ماريوسيا) مؤتمرا للأناركيين الشيوعيين الروس , عقد في لندن . و كانت واحدة من 26 مندوبا , و وقعت على ورقة التسجيل باسم (ماريوسيا) . و كان أخد اهتمامات هذا المؤتمر الرئيسية , عدم وجود خطط أناركية , سواء تعليمية أو تحريضية , خصوصا بالمقارنة مع منافسيهم من الماركسيين .

و قد وصلت هذه الحياة المثالية إلى نهايتها مع الحرب العالمية الأولى , و انقسام الجماعات اليسارية ما بين مؤيد للحرب و مناهض لها . و لم يكن الأناركيون استثناءا , إذ تبنى الأناركيون الشيوعيون موقف (كروبوتكين) المناهض لألمانيا . و يبدو أن (ماريوسيا) قد اتخذت جانب (كروبوتكين) نظريا و عمليا , و وفقا لروايتها , فقد ألتحقت بمدرسة عسكرية فرنسية , و تخرجت منها برتبة ضابط , و أرسلت إلى الحرب في (تسالونيك) Salonika , و كانت هناك عندما أندلعت الثورة في روسيا .

و كغيرها من المهاجرين الروس اليساريين , أنطلقت (ماريوسيا) عائدة إلى روسيا في عام 1917 , وصولا إلى (بتروجراد) , و هناك ألقت بنفسها على الفور في آتون النشاط الثوري .
__________________________________________

الأيام الثورية في (بتروجراد)

كانت (بتروجراد) مقر جهازين متنافسين على السلطة , الحكومة المؤقتة , و سوفيات (بتروجراد) . و كانت الحكومة المؤقتة تفتقر إلى الشرعية لأنه لم يتم انتخابها بشكل صحيح , و كانت تدار من قبل السياسيين الليبراليين و الإشتراكيين و اليمينيين . و كانت غير راغبة و غير قادرة على انهاء مشاركة روسيا في الحرب العالمية , أو على حل مسألة الأراضي في الريف , و ترنحت الحكومة المؤقتة من أزمة إلى أخرى . و قد شمل سوفيات (بتروجراد) على جماعات أكثر راديكالية , مثل البلاشفة , الذين كانوا مصممين على عدم التوقف عند تدمير النظام القيصري , إلى الإجهاز على النظام البورجوازي كذلك .

و قد كان الأناركيون في 1917 - 1918 بمثابة قوات المقدمة بالنسبة للمجموعات اليسارية الراديكالية الأكثر تنظيما . و قد تعرضت الأنشطة الثورية للأناركيين لقمع الحكومة المؤقتة , التي قامت بإعتقال 60 من الأناركيين في يونيو 1917 , في (بتروجراد) . و كان أحد الأناركيين الشيوعيين الذين لم يتعرضوا للإعتقال , (أ س بلايخمان) I. S. Bleikhman , و كان نائبا ذا شعبية في سوفيات (بتروجراد) . و قد قام (بلايخمان) بتنظيم تظاهرة ضخمة مضادة للحكومة في الثالث من يوليو , شارك فيها عددا من العسكريين و العمال المسلحين . و كانت مشاركة البحارة من القاعدة البحرية القريبة في (كرونشتادت) Kronstadt , عاملا حاسما . و قد تم تحريض البحارة على المشاركة من قبل الأناركيين .

و لما كانت (ماريوسيا) قد وصلت مؤخرا إلى روسيا , فقد كانت واحدة من الأناركيين الذين ذهبوا إلى (كرونشتادت) , و قد خطبت عدة مرات في ساحة المرساة Anchor Square في نحو 8 - 10 آلاف من البحارة , و حثتهم على عدم التخلي عن أخوتهم في العاصمة . و جزئيا بفضل جهودها , توجه عدة آلاف من البحارة إلى (بتروجراد) و شاركوا في مظاهرات 3 و 4 يوليو , التي أطاحت تقريبا بالحكومة المؤقتة , و على الرغم من دعم التنظيمات البلشفية للمظاهرات , إلا أن رفض الحزب للانتفاضة , و وصفه لها بأنها "سابقة لأوانها" , قد جعل فشلها حتميا .

و عندما بدأت الحكومة في ملاحقة البلاشفة و الأناركييين , انتهى الأمر ببعض من أصدقاء (ماريوسيا) من البلاشفة , أمثال (ألكساندرا كولونتاي) Alexandra Kollontai في السجن , بينما فرّ البعض الآخر إلى (فنلندا) القريبة . و قد أعطى بحارة (كرونشتادت) لـ (بلايخمان) ملاذا و حموه من الإعتقال . و هنا قررت (ماريوسيا) أن الوقت قد حان للعودة إلى أوكرانيا , لدعم الحركة الأناركية هناك . و في يوليو 1917 , عادت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفيسك) , بعد ثماني سنوات من التجوال حول العالم .
__________________________________________

(ماريوسيا) الإنسانة و الناشطة

عند هذه النقطة من سيرتها , يبدو أنه من المناسب أن نتناول مسألة حياتها الجنسية المحيرة . فوفقا لبعض المصادر المنشورة , و التي كتبها بعد وفاتها , أناس معادين لها , كانت (ماريوسيا) مخنثة intersex , و يدعم هذا الرأي العديد من الأوصاف الجسدية , فعل سبيل المثال , كتب الماخنوفيست السابق (تشودنوف) Chudnov , الذي قابلها في 1918 , يصفها : "كانت امرأة ما بين 32 - 35 , متوسطة الطول , هزيلة , و لها وجه أصابته الشيخوخة المبكرة , التي غالبا ما تصيب الخصي أو الخنثى . و قد ربطت شعرها القصير على شكل دائرة " .

و كتب البلشفي (كيسيليف) Kiselev , في مذكراته عن لقائه بها في 1919 , : " كانت امرأة في نحو الثلاثين من عمرها , نحيلة , ذات وجه هزيل , و يعطي وجهها نفس أنطباع وجوه الخدم القدامى , بأنفها الضيق و خدودها الغائرة ... و كانت ترتدي بلوزة و تنورة و تعلق مسدسا صغيرا في حزامها " . و يمضي (كيسيليف) في اتهاماته لها , بأنها مدمنة كوكايين . و تدور معظم أوصاف البلاشفة لها في ذلك الفلك .

أقول أوصاف البلاشفة , ربما بإستثناء (راكشا) Raksha , الذي قابلها في 1918 :

" كنت قد سمعت بأنها أمرأة جميلة .. و كانت تجلس على الطاولة و سيجارتها بين أسنانها .. كانت الشيطانة جميلة حقا : في حوالي الثلاثين من عمرها , غجرية , ذات شعر أسود و قوام رائع يلائم سترتها العسكرية " .

و هاك وصف آخر يعود إلى صيف 1918 :

" كانت العربة تنطلق بسرعة جنونية في الشارع , و قد استرخت فيها بلامبالاة , شابة سمراء , ترتدي قلنسوة من الفراء , و عندنا وقفت على عتبة العربة , ظهرت عريضة المنكبين , ترتدي بنطال الفرسان الأحمر . و كانت كل أنواع الأسلحة تتدلى منها و من جارسها الشخصي " .

إن أوصاف (ماريوسيا) الجسدية , عموما , تقع في إحدى هذين المعسكرين , ما بين معسكر يؤكد جاذبيتها , و آخر يؤكد مظهرها المنفـّر . على أن الشك يحيط بشهادة البلاشفة , الذين ربما أسقطوا عدم إعجابهم بأيديولوجيتها , على مظهرها الخارجي . لكننا نعلم على وجه اليقين , أن (ماريوسيا) قد تمتعت بكاريزما هائلة , و أنها تركت أنطباعا قويا في الناس التي ألتقت بهم , و أنها كانت قادرة على التأثير على الناس بقوة شخصيتها , و أن رفاقها في السلاح كانوا على ولاء تام لها , و أنها بادلتهم هذا الولاء .

و آراء (ماريوسيا) السياسية معروفة من خطبها العديد . و الحق أن السجن و العمل الشاق و التغرب في أركان العالم لم يزدها سوى ثقة بنفسها . و كثيرا ما قالت : " إن الأناركيين لا يعدون أحدا بشيء , و لا يريدون سوى توعية الناس بأوضاعهم و تحريضهم على أنتزاع حريتهم " . و كانت عقيدتها التي أعربت عنها مرارا : " إن على العمال و الفلاحين , أن يستولوا لأنفسهم , في أسرع وقت ممكن , على ما أقاموه على مدى قرون . "

و على المستوى التكتيكي , تأثرت (ماريوسيا) بالأناركي المخضرم ( أبولون كارلين) , و الذي ألتقت به في (بتروجراد) , و كان (كارلين) يمثّل تيار الأناركية السوفياتية , و هو تيار يشجّع الأناركيين على المشاركة في المؤسسات السوفياتية , طالما تصرّفت لدفع الثورة في الإتجاه الصحيح , أتجاه الحرية , و يحرّض على التمرد على السوفيات لو بدأ يحيد عن هذا الطريق . و قد أصبح (كارلين) نفسه عضوا في أعلى هيئة في السلطة السوفياتية في عام 1918 . على أن الكثير من الأناركيين قد عارضوا هذا الإتجاه , لاسيما و قد كانوا عادة أقلية في أجهزة السلطة السوفياتية .
__________________________________________

(ألكسندروفسك) و (جولياي - بول)

عندما وصلت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفسك) , وجدت هناك أتحادا أناركيا محليا , يضم نحو 300 من الأعضاء , يبدو أنه قد أنشيء في يونيو 1917 , و لكنه لم يكن ذا تأثير يذكر على الأحداث المحلية . لكنها قررت أن تقلب الأمور . فقامت على الفور بمعاونة رفاقها من بين عمال المصانع , بمصادرة نحو مليون روبل , من معامل تقطير (بادوفيسكي) Badovsky , التي ربما كانت تعمل في إحداها , و قد ذهب جزء من هذا المال على سبيل التبرع لـ (سوفيات) (ألكسندروفسك) .

و كانت (ألكسندروفيسك) عاصمة المقاطعة التي تقع فيها قرية (جولياي بول) , القرية ذات السبعة عشر ألف نسمة , و مسقط رأس (نستور ماخنو) Nestor Makhno , و كان في ذلك الوقت قائدا لإحدى المجموعات الأناركية الشيوعية المحلية , التي ضمت بضعت مئات من الأفراد . و كانت (ماخنو) على علاقة وطيدة بإتحاد (ألكسندروفيسك) الأناركي , و كثيرا ما قام بزيارته , و إن كان متشككا في نشاط هذا الإتحاد , أو عدم نشاطه بالأحرى , و كان الأناركيين في (ألكسندروفسك) بدورهم غير مرتاحين تماما لـ (ماخنو) , و قد أتهموه بقيادة حزب سياسي , يسعى للإستيلاء على السلطة .

و أخذت (ماريوسيا) على عاتقها مهمة السفر إلى (جولياي بول) , و تقع على بعد 80 كم إلى الشرق من (ألكسندروفسك) , على الخريطة , و لكنها أبعد من ذلك بكثير بالقطار . بغرض إعادة الأناركيين المحليين الذين لم يكونوا يعتصرون البرجوازية بالقدر الكافي , حسب رأيها . و في 29 أغسطس 1917 , توجهت إلى لقاء عام في الهواء الطلق , حضره عدد لا بأس به من الحضور , برئاسة (ماخنو) , في حديقة القرية العامة .

و قد بشّرت (ماريوسيا) ببشارة العصيان , و التمرد , التمرد , حتى يتم القضاء على كل أجهزة السلطة . فإما أن ننجز الثورة حتى نهايتها , كما قالت , أو تعود الرأسمالية للحياة من جديد . و دعت إلى إجراءات فورية ردا على عدوان سلطة الدولة على الثوار , و التي ارتبطت بظهور حكومة مركزية رادا . كما دعت (ماريوسيا) لعدم إضاعة الجهد في أعمال جانبية , و إلى توجيه ضربات إرهابية ضد أنصار الدولة الأوكرانية الجديدة .

و بينما كانت (ماريوسيا) تخطب في الجماهير , تلقى (ماخنو) فجأة برقيتين . و قاطع (ماريوسيا) مخاطبا الجمهور : " إن الثورة في خطر" ... كانت البرقيتان من (بتروجراد) , واحدة من الحكومة المؤقتة , و الآخرى من سوفيات (بتروجراد) . و احتوتا أنباءا عن تمرد الجنرال (كورنيلوف) , و تقدمه نحو (بتروجراد) لوضع حد للثورة . و كانت برقية السوفيات تقترح تشكيل لجان محلية لإنقاذ الثورة .

و بينما كانت الحشود تهتف : " دم أخواننا يسيل , و الثورة المضادة تمشي ضاحكة " . إذ أشار المتحدث إلى شخص ما يدعى (إيفانوف Ivanov , و يبدو أنه كان أحد فرد سابق في الشرطة السرية , فقفزت (ماريوسيا) على الفور إلى أسفل المنصة , و ألقت القبض على (إيفانوف) الذي كان محاطا بالفعل بالحشود الغاضبة . لكن (ماخنو) تدخل لإنقاذ حياة الشرطي السابق الذي وصفه بأنه غير مؤذ .

و قد تابع أتحاد الفلاحين في (جولياي بول) و المجموعة الأناركية الشيوعية , سوفيات (بتروجراد) في نصيحته , مع تعديل طفيف : إذ شكلت لجنة للدفاع عن الثورة , يكون نشاطها الأول مصادرة جميع الأسلحة التي في أيدي البورجوازية المحلية . لكن (ماريوسيا) كان في رأسها شيء مختلف قليلا . ففي بلدة (أوريخوف) Orekhov القريبة , كان هناك فوجان من الجيش النظامي متمركزان . و قد أقترحت (ماريوسيا) الاستيلاء على أسلحتهما .

بالفعل قامت بتجهيز مجموعة من مائتي رجل من رجال المليشيات , و في العاشر من سبتمبر توجهوا إلى (أوريخوف) بالقطار . و كانوا مسلحين بشكل شيء : دستتين من البنادق و عدد مماثل من المسدسات التي صودرت من مخفر الشرطة في (جولياي بول) . و بمجرد وصولهم إلى (أوريخوف) , قاموا بمحاصرة مقر الأفواج , و بينما تمكن القائد من الفرار , وقع بعض صغار الضباط في يد المحاصرين . حيث قتلتهم (ماريوسيا) بيديها , لتظهر استعدادها لقتل أي شخص ينتمي لطبقة الظباط الحقيرة . بينما تم تسريح الجنود إلى منازلهم . و تم نقل الأسلحة إلى (جولياي بول) , و عادت (ماريوسيا) إلى (ألكسندروفسك) .

و كان على رأس الحكومة المؤقتة في (ألكسندروفسك) المفوض المدني (ب ميخنو) B. Mikhno - ليبرالي - , و مفوض عسكري (س بوبوف) S. Popov - إشتراكي ثوري - . و قد ازعج هذه السلطات ما كان يحدث في (جولياي بول) , و على وجه الخصوص , مصادرة الأسلحة من أصحاب الأملاك , و تقسيم الإقطاعات الكبيرة بين الفلاحين . و هكذا بدأت الأجهزة المحلية في (جولياي بول) , المخترقة تماما من قبل الأناركيين , في تلقي الأوامر و التهديدات من السلطات العليا .

على أن هذه الأوامر كان يتم تجاهلها في (جولياي بول) , و الواقع أن (ماخنو) قد أستغل الهجوم للسفر إلى (ألكسندروفسك) مع مندوب آخر , (ب أنتونوف) B. Antonov , للإلتقاء المباشر بجماعات العمال . و قد أخذت (ماريوسيا) المندوبين الأناركيين في جولة حول المدينة , حيث عقدوا عددا من الاجتماعات في أماكن العمل لفضح أنشطة الثورة المضادة التي تتم باسم العمال في القرى من قبل نظام (كيرنيسكي) Kerensky . و لما كان (ماخنو) و (أنتونوف) مفوضين من قبل سوفيات (جولياي بول) , فلم تجرؤ السلطات في (ألكسندروفسك) على المساس بهما . أما مع (ماريوسيا) فقد كان الأمر مختلفا , فبمجرد مغادرة (ماخنو) و (أنتونوف) المدينة , تم إلقاء القبض عليها في شقتها , و أقتيدت إلى السجن بالسيارة .

لكن الأحداث سرعان ما أتخذت منحى غير سار بالنسبة للسلطات . فبسبب ما تتمتع به (ماريوسيا) من شعبية كبيرة في أوساط عمال (ألكسندروفيسك) , فقد سرى نبأ أعتقالها كالنار في الهشيم . و في صباح اليوم التالي لإعتقالها , زار وفد من العمال المفوضين , للمطالبة بإطلاق سراحها . فتم رفض طلبهم . لكن سوفيات (ألكسندروفسك) كان يتقاسم السلطة مع الحكومة الرسمية . و هكذا تم تنظيم مسيرة من العمال سارت إلى السوفيات للمطالبة بالعدالة . و ألتزم عملاء النظام الهدوء و المسيرة تنطلق . و في طريقها واجه المتظاهرين رئيس مجلس السوفيات الإشتراكي الديموقراطي , (موتشالوف) Mochalov , من المناشفة , و الذي تم أقتياده حرفيا , في عربة تجرها الخيول مع بعض المندوبين من العمال , إلى السجن , حيث أطلق سراح (ماريوسيا) , التي عادت إلى المسيرة حيث رفعت فوق أكتاف العمال إلى مقدمة الحشد الذي احتشد خارج مبنى مجلس السوفيات . و قد استغلت (ماريوسيا) الموقف , لتلقي , بصوتها الجهوري , خطابا لتحريض العمال على النضال ضد الحكومة , من أجل مجتمع خال من كل سلطة .

و حالما وصلت أنباء أعتقال (ماريوسيا) إلى (جولياي بول) حتى اضطرمت الأمور . و تواصل (ماخنو) مع المفوّض (ميخنو) هاتفيا , و تبادلا التهديدات , قبل أن يغلق (ميخنو) الهاتف . فما كان من الأناركيين إلا أن شحنوا قطارا بالمسلّحين , و قد بيّتوا النية على مهاجمة الحكومة في (ألكسندروفسك) , و في الطريق , تلقوا خبر الإفراج عن (ماريوسيا) , ليحتفلوا عوضا عن ذلك .

و كانت إحدى نتائج هذه العملية , أن جرت أنتخابات جديدة في سوفيات (ألكسندروفسك) , شكّلت صعودا قويا للجناح اليساري , الذي ضم بعض الأناركيين , سيعملون على تمرير الأنشطة الثورية في (جولياي بول) .
__________________________________________

ثورة أكتوبر في أوكرانيا

مثلها في ذلك , مثل معظم الأناركيين , تلقت (ماريوسيا) أخبار ثورة أكتوبر بمزيد من الحماس . و قد أعتبر الأناركيون أنقلاب البلاشفة و الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , أو ما أصطلح على تسميته بكتلة اليسار , مرحلة أخرى في اضمحلال الدولة , و قد أعتقدوا أنه بعد زوال القيصرية و الدولة البورجوازية , فإن حكومة كتلة اليسار ستكون ظاهرة مؤقتة , ستختفي عما قريب .
و قد قضت (ماريوسيا) الخريف , في تنظيم مفارز الحرس الأسود في (ألكسندروفسك) , و (إليزافيتجارد) Elizavetgrad , و هي مدينة في وسط أوكرانيا , كان بها أتحادا أناركيا قويا . و وفقا لأحد المؤرخين , كانت (ماريوسيا) مسئولة عن مقتل رئيس مجلس السوفيات في (إليزافيتجارد) .
و قد كان التوجه الأساسي للعديد من سوفياتات المدن الأوكرانية نحو مركزية رادا الأوكرانية في (كييف) , أكثر من توجهها نحو الحكومة السوفياتية في (بتروجراد) . و في (ألكسندروفسك) تم اتخاذ القرار في 22 نوفمبر 1917 , بعدد أصوات 147 مقابل 95 , لصالح الانضمام إلى الحكومة الأوكرانية القومية و قاعدتها (كييف) .
و عندما رفضت الحكومة القومية في (كييف) الاعتراف بحكومة كتلة اليسار في (موسكو) , قامت كتلة اليسار بغزو أوكرانيا , بواسطة قوات مكونة من مختلف وحدات الحرس الأحمر . و قد خاض كلا الجانبين حرب صفوف , مع كر و فر على طول خطوط السكك الحديدية , بما يشابه كثيرا الثورة المكسيكية المعاصرة .
و في ديسمبر 1917 , شكلت (ماريوسيا) تحالفا مع المنظمة البلشفية في (ألكسندروفسك) بهدف الإطاحة بالسوفيات المحلي . و قد تلقى البلاشفة , سرا , شحنة من الأسلحة , بينما تولّى الأناركيون ترتيب الدعم من مفرزة من البحارة من أسطول البحر الأسود , بقيادة (م ف موكروسوف) M. V. Mokrousov . و في الثاني عشر من ديسمبر 1917 , حضرت (ماريوسيا) إجتماعا مشتركا لمجلس سوفيات (ألكسندروفسك) و لجان المصانع , و طالبت بإعادة تشكيل السوفيات بإعضاء من البلاشفة و الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , و الأناركيين . و قد فر أعضاء الأحزاب الأخرى , المناشفة و الإشتراكيين الثوريين , من المشهد , و أنعقد السوفيات الجديد .
و في 25 - 26 ديسمبر 1917 , توجهت مفرزة (ماريوسيا) إلى (خارخوف) Kharkhov , و ساعدت كتلة اليسار على إقامة سلطة سوفيتية في المدينة . و شاركت قواتها في أعمال صارت علامة مميزة لها : نهب المحلات التجارية و توزيع السلع على السكان . و في 28 - 29 ديسمبر شارك حرسها الأسود في معارك مع الـ (هايدماكا) , و هم قوزاق محليين , في (إيكاترينوسلاف) , و نجحت في تأسيس السلطة السوفياتية في تلك المدينة أيضا . و وفقا لروايتها الخاصة , فقد كانت مفرزتها أول من دخل المدينة , و قامت هي بنفسها , بتجريد 48 جنديا من أسلحتهم .
و في مطلع يناير 1918 , رفضت كتلة اليسار , الجمعية التأسيسية الروسية , مما جعل الحرب الأهلية أمرا لا مفر منه . و لما كانت كتلة اليسار تفتقد إلى قاعدة قوية , و خصوصا في الريف , فقد كانوا في حاجة ماسة إلى حلفاء , و قد وجدوهم في الأناركيين الذين كانوا يشاركونهم كراهيتهم العتيدة للبورجوازية . و قد سعت كتلة اليسار إلى تلقي المساعدة من الأناركيين في أوكرانيا , حيث كان هناك عدد من المجموعات ذات القدرات العسكرية , مثل مجموعة (ماريوسيا) , و مجموعة (ماخنو) .
في هذه الأثناء , كان النظام الجديد في (ألكسندروفسك) تحت تهديد قوات (مركزية رادا) . و كانت القوات السوفياتية قادرة على الحشد , لكن ليس بنفس عدد و لا تسليح الـ (هايداماك) و الذين كان لديهم عربات مدرعة . و قد قرر الثوريين عدم أستعمال مدفعية (موكروسوف) Mokrousov , من أجل تجنب تدمير المدينة . و بعد ثلاثة أيام من قتال الشوارع , اضطر البلاشفة و الأناركيون إلى الإنسحاب . ثم مالت كفة الميزان إلى المنسحبين , مع وصول الحرس الأحمر من (موسكو) و (بتروجراد) . و في الثاني من يناير 1918 , تراجع الـ (هايداماك) إلى الضفة اليمنى من نهر (دنيبر) و استولت لجنة ثورية Revkom على السلطة في المدينة . و في الرابع من يناير , قام (ماخنو) و أخوه (سافا) Sava بعمل أستعراض عسكري , مع مفرزة من الحرس الأسود قوامها 800 فردا من (جولياي بول) . و قد دعي (نستور ماخنو) للإنضمام إلى اللجنة الثورية , و سمح الإتحاد الأناركي بتعيين أثنين من المندوبين , كانت إحداهما (ماريوسيا) التي أصبحت نائبة رئيس اللجنة الثورية .
__________________________________________

تهديد القوزاق

تراجع الـ (هايداماك) , لكن خطرا جديدا كان يهدد المدينة الثورية . و ذلك أن قافلة محملة بالقوزاق مع خيولهم قد وصل إلى المدينة راجعا من الجبهة الخارجية في طريقهم إلى الـ (دون) Don , لينضموا إلى الثورة المضادة التي يقودها الجنرال (كاليدن) Kaledin . و إدراكا للخطر الذي يمثله هؤلاء القوزاق على الثورة , قرر المتمردين في (ألكسندروفسك) إيقافهم .

و قاد الأناركيون مفارزهم عبر جسر (خيخلاس) Kichkass المعلق على نهى (دنيبر) , و حفروا على طول خطوط السكك الحديدية . و سرعان ما ظهر القوزاق . و كانت الاتصالات تتم عن طريق الهاتف , و تم ترتيب لقاء بين ممثلين عن الجانبين . و كان (ماخنو) و (ماريوسيا) جزءا من الوفد الذي انتقل على متن قاطرة إلى نقطة الإلتقاء . و كان ضباط القوزاق في حالة استعداد نفسي للقتال , و أدّعوا أن لديهم 18 صفا من القوزاق , و سبعة أخرى من الـ (هايداماك) , و أن أحدا ليس بوسعه وقفهم , و هكذا أنتهت المفاوضات إلى لا شيء .

و قد قوبل أول قطار للقوزاق حاول الإختراق بإطلاق نار كثيف , فحاول التراجع فجأة , مما تسبب في تصادمه مع القطار القادم من خلفه , فتحطما , مع خسائر في الرجال و الخيول . و سرعان ما وصل وفد من القوزاق طالبين الهدنة , و استسلموا للجنة الثورية في (ألكسندروفسك) , و تخلوا عن أسلحتهم , لكنهم أصروا على الإحتفاظ بالخيول و السروج لأسباب "ثقافية" .

و قد أخذ نزع سلاح القوزاق عدة أيام , حاول خلالها الساسة المحليين كسبهم إلى جانب الثورة . و كان الآلاف من القوزاق يقفون في الهواء الطلق بينما عدد من الخطباء الإشتراكيين يلقون عليهم خطبا , دون جدوى تقريبا , إذ وقف القوزاق يدخنون , و يضحكون أحيانا على الخطيب .

ثم صعدت (ماريوسيا) إلى المنصة و بدأت تتكلم . و هنا بدأ القوزاق في الإهتمام . قالت : " أيها القوزاق , إنكم اليوم جزاري العمال الروس . فهل سيستمر هذا في المستقبل , أم تنزاح الغشاوة عن أعينكم , فتنضموا إلى صفوف المظلومين ؟ إنكم لم تظهروا إلى الآن أدنى إحترام للعمال الفقراء. بل إنكم مقابل روبل قيصري أو كأس من نبيذ قد سمّرتموهم على الصليب " .

و إذ واصلت (ماريوسيا) في هذا السياق , كان الكثير من القوزاق يخلعون قبعاتهم و يحنون رؤوسهم . و سرعان ما بدأ بعضهم يبكي كالأطفال .

كانت أزمة النخبة في (ألكسندروفسك) هي مواجهة الحشود . و قد قال بعضهم لبعض : " إن الخطب التي ألقاها ممثلي كتلة اليسار كانت باهتة جدا بالمقارنة بالخطب التي ألقاها الأناركيون . و على وجه الخصوص , بخطاب (م نيكيفوروفا) " .و كانت نتيجة هذه الإجتماعات التي استمرت أياما , أن ظل عدد من القوزاق على أتصال بأناركيي (جولياي بول) , حتى بعد أن عادوا إلى ديارهم في (كوبان) Kuban و غيرها .

بعد أن تم نزع سلاح القوزاق , عاد (ماخنو) و (ماريوسيا) إلى واجباتهم في لجنة (ألكسندروف) الثورية . حيث تم تكليف (ماخنو) بمهم قذرة , هي ترأّس المحكمة التي ستنظر في أمر مختلف السجناء السياسيين الذين تم جمعهم من قبل النظام السياسي الجديد . و من بين هؤلاء السجناء , كان (ميخنو) المفوض السابق من قبل الحكومة المؤقتة , و الذي هدده مرارا , و قام بسجن (ماريوسيا) , و قد أصدر (ماخنو) قرارا بإطلاق سراحه , قائلا : أنه رجل صادق , كان ينفذ الأوامر فقط .

لكن (ماخنو) لم يكن بنفس رحابة الصدر مع سجين آخر , هو المدعي العام السابق (ماكسيموف) . و الذي كان حريصا قبل سنوات عدة , عندما كان (ماخنو) سجينا في سجن (ألكسندروفسك) , أن يجعل إقامته غير سارة قدر الإمكان . و إعتمادا على الأدلة المقدمة ضده , رأى (ماخنو) أن هناك مبرر للحكم على (ماكسيموف) بالإعدام رميا بالرصاص . لكن أعضاء آخرين في اللجنة الثورية Revkom , و من ضمنهم (ماريوسيا) تدخّلوا . و على الرغم من موافقتهم على أنه كان معاديا للثورة , إلا أن النظام الجديد , كان لا يزال هشا جدا , بحيث لا يمكنه إعدام أي شخص له أعتباره في المدينة . و لم يستسلم (ماخنو) بسهولة , فوافق بعد ليلة طويلة من الإجتماعات على حبس (ماكسيموف) إحتياطيا , لإجراء المزيد من التحقيقات في قضيته .

و سرعان ما أكتفى (ماخنو) من لجنة (ألكسندروفسك) الثورية , و كان من بين أمور أخرى رفض اللجنة السماح له بتفجير السجن , و هكذا قرر العودة إلى (جولياي بول) مع مفرزته . و قد ذهب أعضاء اللجنة الثورية الآخرين إلى محطة القطار لتوديعهم , و قد ذهب معظمهم في سياراتهم , بينما ذهبت (ماريوسيا) على ظهر حصان . و في المحطة , غنت المفرزة , ترنيمة حرب أناركية , ثم غادرت .

كان بإمكان (ماريوسيا) أن تنسحب بمفرزتها من الحرس الأسود , و تبدأ العمل كقائدة عسكرية مستقلة . عند هذه النقطة , بدأت (ماريوسيا) تصبح لاعبا على الساحة القومية , بدلا من كونها مجرد شخصية محلية .
__________________________________________

أخوية النضال الحر (دروزينا) Druzhina

بعد وقت قصير من عودة (ماخنو) إلى (جولياي بول) , أقترحت (ماريوسيا) عملا مشتركا لفيدرالية (ألكسندروفسك) مع المجموعة الأناركية الشيوعية في (جولياي بول) , بهدف الإستيلاء على المزيد من الأسلحة . و كان الهدف هو الكتيبة المرابطة في (أوريخوف) , حيث حقق الأناركيون نجاحا في وقت سابق . و كان جنود الكتيبة , و هي جزء من فوج (بيردياسك) Berdyansk الثامن و الأربعين , منقسمين ما بين مركزية (رادا) الأوكرانية , و الجنرال (كاليدن) . و مرة أخرى كانت العملية ناجحة . و كان القائد البلشفي الإقليمي , (بوجدانوف) Bogdanov , منتشيا بالإستيلاء على الأسلحة , التي شملت بعض مدافع الهاون . و يبدو أنه كان يفترض أنه بكون (ماريوسيا) نائبة لرئيس اللجنة الثورية في (ألكسندروفسك) , فإن الأسلحة في نهاية المطاف ستكون تحت تصرفه . لكن الأسلحة جميعها أنتهت إلى (جولياي بول) . و كان هذا نهاية ولاء (ماريوسيا) لسلطات كتلة اليسار . و من الآن فصاعدا , ستتصرف (ماريوسيا) بشكل مستقل تماما .

و كان قائد القوات السوفياتية في أوكرانيا , (فلاديمير أنتونوف - أوفسيينكو) Vladimir Antonov-Ovseyenko واحدا من البلاشفة القلائل الذين أنتظموا في أكاديمية عسكرية . و كان لـ (ماريوسيا) حظوة كبيرة عنده , لأنها ساعدت على تأسيس السلطة السوفياتية في ثلاث مدن أوكرانية هامة . و كان قد عيّنها قائدة لتشكيلات مفارز الفرسان في السهوب الأوكرانية , و خصص لها مبلغا كبيرا من المال , لتجهيز ما يسمى بـأخوية النضال الحر Free Combat Druzhina . و كانت (ماريوسيا) المرأة الوحيدة القائدة لقوات ثورية كبيرة العدد في أوكرانيا .. كانت (آتامانشا) ..

و قد تم تجهيز الـ (دروزينا) باثنين من المدافع الكبيرة , و عربة نقل سكك حديدية مدرعة . و قد تم تحميل عربات القطار بالعربات المدرعة , و الـ (تاتشانكا) tachanka , و الخيول , و شحنت بالقوات بالطبع , و التي لم تكن بأي حال من الأحوال مقتصرة على خطوط السكك الحديدية . و قد زينت القطارات لافتات كتب عليها : " تحرير العمال هو شأن العمال " , " عاشت الأناركية " , السلطة تلد التطفل " , و " الأناركية هي أم النظام " .

كان الجنود يحصلون على غذاء و معدات أفضل بكثير من وحدات الجيش الأحمر . و على الرغم من عدم وجود زي رسمي , فقد كان لدى الجنود بدون شك , شعور بالأناقة , بشعورهم الطويلة , غير الشائعة في ذلك الوقت , و قبعات من جلد الغنم , و سترات الضباط , و أحزمة الذخيرة الكثيرة . و قد تألفت الـ (دروزينا) من مجموعة أساسية من المسلحين على ولاء لـ (ماريوسيا) , و مجموعة اكبر تأتي و تذهب على غير أساس نظامي إلى حد ما . كما أشتملت على عدد لا بأس به من بحارة البحر الأسود . و قد اشتهرت بكفاءتها القتالية في جميع أنحاء أوكرانيا .

كانت طوابير (ماريوسيا) تشبه القراصنة القدامى , بمدافعها و أعلامها السوداء . و قد وصفها أحد المراقبين , الإشتراكي الثوري (إ ز شتاينبرج) I. Z. Steinberg , بسفينة الهولندي الطائر , تظهر في أي وقت , و في أي مكان .

و في يناير 1918 , لاقت طوابير الـ (دروزينا) الحرس الأبيض , و مركزية رادا الأوكرانية .

و قد شارك الأناركيون في تأسيس السلطة السوفياتية في شبه جزيرة القرم . و أستولت الـ (دروزينا) و مفرزة أناركية أخرى على مدينة (يالطة) Yalta و نهبوا قصر (ليفاديا) Livadia Palace . و قتل عشرات الضباط . ثم توجهت (ماريوسيا) إلى (سيفاستوبول) Sevastopol , حيث كان ثمانية من الأناركيين يقبعون في السجن . و قد أفرجت السلطات البلشفية عن السجناء دون أنتظار الـ (آتامانشا) . و قد قضت (ماريوسيا) بعض الوقت في مدينة (فيودوسيا) Feodosia , حيث جرى أنتخابها للسلطة التنفيذية في السوفيات الفلاحي , و حيث قامت بالمزيد من تنظيم الحرس الأسود .
__________________________________________

معارك (إليزافيتجارد) Elizavetgrad

في 28 يناير 1918 , ظهرت الـ (دروزينا) في (إليزافيتجارد) , و هي مدينة مهمة في جنوب وسط أوكرانيا . و سمح وجودها للمنظمة البلشفية المحلية بالاستيلاء على سوفيات المدينة في أنقلاب غير دموي , و الإطاحة بالإشتراكيين الثوريين الأوكرانيين و الديموقراطيين الدستوريين (الكاديت) Kadets , و إعداد اللجنة الثورية الخاصة بها .

و سرعان ما أنخرطت (ماريوسيا) في صخبها المعتاد . فأستمعت إلى العديد من الشكاوي بخصوص المفوض العسكري المحلي , العقيد (فلاديميروف) , فذهبت إلى مقر إقامته , حيث أطلقت عليه الرصاص . ثم قامت بتنظيم نهب منظم لمتاجر المدينة , و وزّعت السلع على الفقراء . و إذ لاحظت أن الناس تنتهي إليها أشياء لم يكونوا في حاجة إليها , فقد أذنت بمقايضة السلع , رغم أن هذا كان ممنوعا صراحة من قبل الـ (ريفكوم) Revkom البلشفية . ثم أجتمعت (ماريوسيا) باللجنة الثورية و أبدت إعتراضها الحاد على أنشطتها . و على ما أسمته " تسامح أعضاءها تجاه البورجوازية " . و قالت أنها تفضل مصادرة لا ترحم لجميع الممتلكات التي تم أكتسابها من خلال عمل الآخرين , مع الرد العنيف على أي محاولة للمقاومة . و كان الإنتماء إلى طبقة المستغلين جريمة في حد ذاته , وفقا لـ (ماريوسيا) , بما في ذلك أعضاء من اللجنة الثورية في هذه المجموعة . و هددت بتفكيك اللجنة و إطلاق النار على رئيسها لو تم الإعتراض على الـ (دروزينا) بأي شكل من أشكال الحكومة , لأنها لم تطح بالسوفيات , لتحل محله تنظيما بيروقراطيا آخر .

و قد أنزعجت الإدارة البلشفية في المدينة للغاية بهذا الكلام , و جاء ردها بطريقة بيروقراطية نموذجية , إذ تم تشكيل " لجنة لتنظيم العلاقات مع (ماريوسيا) " . و قد زارت هذه اللجنة (ماريوسيا في مقرها , و طلبت منها بأدب مغادرة المدينة , مع الإشارة أن اللجنة قد نظّمت قوات مسلحة كبيرة العدد . و لم يؤثر هذا التهديد في (ماريوسيا) , لكنها غادرت بعد بضعة أيام بعد أن تزودت بالسلاح من كلية الضباط المحلية , التي أنضم طلابها إلى الـ (هايداماك) .

و في التاسع من فبراير 1918 , تم توقيع معاهدة سلام , بين مركزية رادا الأوكرانية , و بين السلطات المركزية . كانت جيوش كتلة اليسار قد أستولت على الإقليم , و كان أحد أحكام المعاهدة , يسمح للقوات الإمبرالية الألمانية و النمساوية - المجرية , بإقامة "النظام" على الأراضي الأوكرانية . و من ثم , غزت القوات الألمانية و النمساوية - المجرية , أوكرانيا , و بمساعدة الـ (هايداماك) من مركزية رادا , شرعت في دفع القوى الثورية للتراجع , و في عمليات للتخلص منها .

في هذه الأثناء , كانت هناك مأساة تحدث في (إليزافيتجارد) . فقد تعرضت المدينة لكامل أهوال الحرب الأهلية . و مع أقتراب القوات الألمانية من المدينة , بدأ البلاشفة يجلون قواتهم و يخلون المؤسسات على عجل , تاركين فراغا في السلطة . و في اليوم التالي لمغادرة اللجنة الثورية Revkom , ظهرت فجأة حكومة جديدة أطلقت على نفسها لجنة الثورة المؤقتة VKR . و كان أعضاء هذه الحكومة من السوفيات الذي سبق الإطاحة به . و تم إعتقال البلاشفة في المدينة . و مع إدراك السلطات المحلية الجديدة لحاجتها إلى القوة العسكرية لحمايتها من القوات البلشفية المتراجعة , فقد قامت بتجنيد الضباط الذين كانوا مختبئين , و بتمشيط الأرياف لإستعادة الجنود . كما تم تجنيد الفلاحين من القرى القريبة و تم الإستيلاء على عرباتهم . و تم توفير السلاح لأي شخص أظهر استعدادا لقتال كتلة اليسار و حلفائها .

و بشكل غير متوقع , عادت الـ (دروزينا) إلى المدينة , و كانت مفرزة (ماريوسيا) بكامل قوتها و أسلحتها , و قد شملت خمسة عربات مدرعة . و مرت عدة أيام من السلام بين السلطات المدنية الجديدة و بين الأناركيين . ثم أستولى الأناركيون على محطة السكك الحديدية , و أزعجوا المواطنين بأغانيهم الأناركية . و أرسل الأناركيون شاحنة , بصورة يومية , لجمع "التبرعات" من البورجوازيين . بينما ظل البلاشفة في السجن .

ثم أندلعت الأزمة . إذ تمت عملية سطو ضخمة في مصنع (إلفورتا) Elvorta , و سرق نحو 40 ألف روبل , من مكتب المرتبات , و لم يتبق شيء لمرتبات العمال . و أنطلقت الشائعات بمسئولية الأناركيين عن هذه السرقة , بهدف الانتقام من المدينة لسجنها البلاشفة . فقررت (ماريوسيا) الذهاب إلى المصنع بنفسها , و شرح الوضع للعمال , الوضع الذي كانت تعتبره استفزازا واضحا من قبل عناصر يمينية .

و كانت قاعة الإجتماعات في المصنع تفيض بمن فيها , عندما وصلت (ماريوسيا) , و كان عدد العمال في المصنع نحو خمسة آلاف عامل . و قد تركت موافقيها عند الباب , و دخلت القاعة وحدها , و أعتلت المنصة . لكن لم يسمح لها بإستخدام مهاراتها الخطابية , إذ لم ينقطع الصراخ و الشتائم . و مع غضبها من عدم السماح لها بالكلام , سحبت (ماريوسيا) مسدسين من حزامها , و أطلقت النار في الهواء , فوق رؤوس الجمهور . فساد الذعر , و حطم الناس الأبواب و قفزوا من النوافذ المكسورة . و هرع رفاق (ماريوسيا) إلى داخل القاعة و استنقذوها . و في طريق العودة تم إطلاق النار على سيارتها , و أصيبت بجروح طفيفة .

و أنطلقت صفارات الإنذار في المدينة , و تقدمت ميليشيات الحكومة الجديدة نحو محطة القطار . و استمر قتال الشوارع لعدة ساعات , و كان هناك العديد من الضحايا , إذ دافع الأناركيون عن أنفسهم بالمدافع الرشاشة و القنابل اليدوية . لكن مع تفوق المهاجمين العددي , اضطرت (ماريوسيا) للانسحاب إلى السهوب , و توقفت في (كانوتوفر) Kanatovo المحطة الأولى على خط السكة الحديدية . و مع إدراكها أن بعض جنودها قد وقعوا في الأسر , فقد عزمت على العودة لإنقاذهم .

و أخيرا , وصلت القوات البلشفية من الجبهة , بقيادة (ألكسندر بيلينكوفيتش) Aleksandr Belenkevich , و هو ضابط ذو رتبة عالية , و طولبت المدينة بالإستسلام , فقوبل الطلب بالرفض , فتقدمت القوات بجرأة إلى وسط المدينة , حيث تعرضت للهجوم من كافة الجوانب . و بعد معركة استمرت نحو ثلاثة ساعات , كانت وحدة (بيلينكوفيتش) قد محيت تماما , و وقع العديد من جنوده في الأسر . و بالكاد نجا (بيلينكوفيتش) نفسه بالقطار . و بدأت سلطات المدينة في إعدام بعض السجناء . و كان اثنان من الجنرالات المتقاعدين يقودون القوات الآن .

و تقدمت (ماريوسيا) نحو المدينة , على طول خط السكك الحديدية من الشمال , لكنها قابلت مقاومة في الضواحي فترجلت من القطار . و كانت الحكومة المحلية الجديدة VKR , تجند الآن آلافا من الجنود , تحت شعار " فلتسقط الفوضى ! " , و كانوا مسلحين بالمدفعية الثقيلة و الخفيفة على حد سواء , و بالرشاشات , و كان لديهم ثلاث طائرات . و من أجل تأجيج السكان , انتشرت شائعة بأن (ماريوسيا) تنهب أيقونات الكنائس . و تم تصويرها كزعيمة لعصابة من اللصوص .

و جرت حرب استنزاف خارج المدينة على مدى عدة كيلومترات . و استمرت المدافع الرشاشة و نيران المدفعية دون توقف . و أمد (ماكييف) Makeyev , صاحب معمل التقطير , القوات المدافعة , بكميات غير محدودة من المشروبات الروحية . و لضمان استمرار الامدادات للمدفعية , كانت المدينة تمشط بحثا عن المتهربين , الذين كان يتم إجبارهم على الذهاب للجبهة , و كان هناك خطين من الخنادق , و كان يعمل بالخط الخلفي ضباط بمدافع رشاشة , لمنع أي تراجع .

و خلال يومي 24 و 25 فبراير 1918 , كانت المعركة عبارة عن كر و فر . و في 26 فبراير , تلقت (ماريوسيا) تعزيزات كبيرة , على شكل مفرزة من الحرس الأحمر , من مدينة (كامينسك) Kamensk , و تتألف من ألف عامل و مدافع رشاشة و مدافع خفيفة .

على أن هذا الحرس الأحمر لم يبل بلاء حسنا في المعركة , و خسروا مدفعيتهم و مدافعهم الرشاشة , و سقط 65 منهم في الأسر . في الوقت الذي استفادت فيه مدفعية المدافعين من استطلاع الطائرات , التي كانت تلقي أيضا بالقنابل . و فشل هجوم الأناركيين على خنادق العدو . و أجبروا على التراجع إلى محطة (زنامنكا) Znamenka . و هناك حصلوا على المزيد من التعزيزات , مفرزة أخرى تحت قيادة العقيد الإشتراكي الثوري (مورافييف) , و الذي كان قد استولى على كييف قبل أيام , من مركزية رادا لصالح كتلة اليسار .

ثم أعلنت سلطات الـ VRK في المدينة ولائها لمركزية رادا , و أرسلت مبعوثيها لطلب المساعدة من القوات الألمانية الأوكرانية القريبة . لكن أوان ذلك كان قد فات . فبمحاربتهم (ماريوسيا) في الشمال , تركت الـ VRK جنوب المدينة دون حماية . إذ أقتحم المدينة قطار مصفح يدعى "الحرية أو الموت" , تحت قيادة البحار البلشفي (بوليبانوف) Polypanov . و فرت الوحدات المكلفة بحراسة المدينة , دون قتال . و توجه البحارة مباشرة إلى سلطات الـ VRK مطالبين بالإفراج عن جميع السجناء , بمن فيهم جنود (ماريوسيا) , فاضطرت الـ VRK للامتثال . و هكذا وجدت قوات الـ VRK المتمركزة في شمال المدينة , أن المدينة فعليا في يد البلاشفة .

و هكذا دخل (مورافييف) و (ماريوسيا) المدينة . و كان هناك المزيد من السلب و النهب , و هذه المرة لم يكن من قبل الأناركيين وحدهم . و على الرغم من ذلك لم يكن هناك عمليات أنتقام جماعية . و قد صرّح (بوليبانوف) في لقاء جماهيري أن المعركة التي دامت ثلاثة أيام كانت نتيجة لسوء الفهم . و ظل الحمر في السلطة في (إليزافيتجراد) حتى ليلة 19 مارس 1918 , عندما اضطروا للانسحاب من المدينة , و بعد ثلاثة أيام وصل أول قطار ألماني .

قدمت معارك (إليزافيتجارد) صورة نموذجية للحرب الأهلية في أوكرانيا , معارك يائسة بين فريقين متعارضين من المتعصبين , مع طرف ثالث أكثر قوة يحصل على الغنائم . و كان مقدرا أن تتداول (إليزافيتجارد) العديد من الأيادي قبل أن تسقط في النهاية في يد البلاشفة .
__________________________________________

التراجع الطويل

حاولت كتلة اليسار تنظيم المقاومة ضد القوات الألمانية , باسم الحكومة العميلة التي وضعتها في (خاركوف) Khar'kov , لكنها كانت منافسة غير متكافئة للغاية , فبمقارنة الأعداد وحدها , بلغ مجموع الجيوش الألمانية و حلفائها ما بين 400 ألف و 600 ألف جندي , مقابل نحو 30 ألف جندي لكتلة اليسار , بما في ذلك عدة آلاف في مفارز الأناركيين . و مع ذلك كانت المقاومة في أوكرانيا أكبر من وصفها بالرمزية , و قد استغرق احتلال أوكرانيا من قبل القوى المركزية , القسم الأكبر من ربيع 1918 .

توقفت الـ (دروزينا) في بلدة (بيريكوفكا) Berezovka , جنوبي أوكرانيا , و حاولت ابتزاز مبلغ كبير من المال من الأهالي , لكن المقاومة جاءت من مصدر غير متوقع , مفرزة أناركية منافسة , يقودها (جريجوري كوتوفيسكي) Grigori Kotovsky , الذي كان رجل عصابات حقيقي قبل الثورة , يقود عصابة متخصصة في عمليات السطو المسلح و الابتزاز . و قد أنقذته الثورة من الإعدام . و قد أصرّ (كوتوفيسكي) على ألا تحصل (ماريوسيا) على كوبيك واحد . و لما كانت قوة نيرانه متفوقة , فقد اضطرت (ماريوسيا) إلى التراجع .

ترجلت الـ (دروزينا) الآن عن القتال , و تنقلت عبر البلاد كوحدة من سلاح الفرسان . و كانت المفرزة تعطي أنطباعا قويا بخيولها المرتبة حسب ألوانها : صف من الخيول السوداء , فصف من الخيول الكستنائية , فصف من الخيول البيضاء , و هكذا .. و في المؤخرة كان لاعبي الأكورديون يجلسون في الـ (تاتشانكا) وسط السجاد و الفراء . و كانت (ماريوسيا) نفسها تمتطي جوادا أبيض اللون , و قد تزيا العديد من الجنود بملابس جلدية , بينما احتفظ البعض الآخر بزي البحارة . و لطالما أثارت الـ (دروزينا) حسد الحرس الأحمر , الذي كان ينعتهم بـ "فرح الكلب" , و بما هو أسوأ .

و قد تم تنظيم إجتماع للمفارز الحمراء المتراجعة , في ضيعة ضخمة , بالقرب من قرية (بري أوبرازينكا) Preobrazhenka . و عندما وصلت (ماريوسيا) , وجدت القائد الأحمر (إيفان ماتفييف) Ivan Matveyev قد تولى القيادة . و تم استدعائها لمكتبه , حيث أعلنت عن استعدادها لطاعة أوامره , حتى تصل بقية المفارز , و يتضح من معه معظم الناس .

و كان كل همها , كما قالت لـ (ماتفييف) , هو توزيع الأشياء التي وجدت في الضيعة , بدءا من الملابس . و كانت قد قامت بالفعل بإجراء جرد للثياب و السترات و التنانير المعلقة في الخزائن الضخمة . و قالت : " إن ما لدى البومشتشيك pomeshchik - ملاك الضياع - لا يخص أي فصيل معين , بل هو ملك للشعب كله , و أن على (ماتفييف) أن يدع الناس تأخذ ما تريد " .

فأنزعج (ماتفييف) بشكل واضح , و أعلن رفضه من حيث المبدأ مناقشة "الخرق" . و هكذا تركته (ماريوسيا) خارجة , وصفقت الباب خلفها .

قرر البلاشفة نزع سلاح الـ (دروزينا) , قبل أن يظهر المزيد من الأناركيين . فدعوا إلى إجتماع عام لجميع المفارز , بهدف أعتقال الأناركيين و نزع سلاحهم . و كان الإجتماع ضخما في وسط الضيعة في الهواء الطلق . و حضرت (ماريوسيا) مع بعض , و ليس كل قواتها . و بدأ البلاشفة بالحديث عن ضرورة الوحدة و الانضباط . و عندما بدأ أحد المتحدثين في الشكوى من الأناركيين , أعطت (ماريوسيا) الإشارة لرفاقها للمغادرة . و عندما أصدر البلاشفة في النهاية أمرا بإعتقال الأناركيين , كانوا قد تسللوا بالفعل بعيدا عن الضيعة مع الخيول و الـ (تاتشانكا) .

و ببلوغ الـ (دروزينا) خط السكك الحديدية , وضعوا عربة النقل عليها , و قررت (ماريوسيا) العودة إلى مدينتها (ألكسندروفسك) , في محاولة للدفاع عنها ضد الغزاة الألمان . و كانت المدينة غاصّة بالمفارز الحمراء المتراجعة . و كانت العلاقة بين الأتحاد الأناركي و البلاشفة تنهار سريعا , خلال الأسابيع الأخيرة . و مع ذلك , كان البلاشفة سعداء لرؤية (ماريوسيا) بسبب سمعتها كمحاربة .

و في 13 أبريل 1918 , أستطاع رماة (زيش) Sich الأوكرانيين , أقتحام المدينة , و الاستيلاء على محطة السكك الحديدية , و عثر في مستودع قريب على جثة امرأة شابة , ترتدي لباسا جلديا , و سرت الشائعة فورا في المدينة , بأن (ماريوسيا) الشهيرة قد قتلت . و الحق أن (ماريوسيا) قد شاركت في المعركة , و كانت على قيد الحياة جدا . و في اليوم التالي تم طرد الرماة من المدينة , و أجبروا على الهروب عبر الـ (دنيبر) في قوارب .

قسم من فرقة الرماة الأوكرانية

و في 18 أبريل أستطاع الألمان أخيرا دخول (ألكسندروفسك) , و كانت الـ (دروزينا) آخر مفرزة , تغادر المدينة المنكوبة .

و بالإتجاه شرقا , توقفت الـ (دروزينا) في محطة (تساري كونستانتينوفكا) Tsarekonstantinovka , حيث أسرعت (ماريوسيا) إلى (نستور ماخنو) . و كان أنقلابا عسكريا قوميا في (جولياي بول) قد أدى إلى إلقاء القبض على اللجنة الثورية (ريفكوم) و السوفيات المحليين , بينما كان (ماخنو) غائبا . و أقترحت (ماريوسيا) مهمة إنقاذ , لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع تحقيقها وحدها , فأبرقت إلى البحار (بوليبانوف) , الذي رفض المهمة , و كذلك رفض البحار (ستيبانوف) Stepanov , الذي كان يمر عبر المحطة مع قطار محمل باللاجئين . و أخيرا أنضمت إلى مفرزة من الحرس الأحمر السيبيري بقيادة (بترينكو) . و كان لدى (ماريوسيا) بضعة سيارات مدرعة , اقترحت استخدامها كرأس حربة للهجوم , و كانت (جولياي بول) على بعد ثمانية كيلو مترات من أقرب محطة قطار . و إذ وصل إلى أسماعها أن الألمان قد احتلوا (بولوجي) Pologi , و هي قرية تقع على الخط الذي تحتاجه للوصول إلى (جولياي بول) , فقررت التخلي عن خطتها , و الاستمرار في الانطلاق إلى الشرق ..
__________________________________________

محاكمة في (تاغانروك) Taganrog

توجهت المفارز البلشفية و الأناركية , في الضفة اليسرى (الشرقية) الأوكرانية , إلى (تاغانروك) Taganrog , على بحر (آزوف) , المقر الجديد للحكومة الأوكرانية السوفياتية الهاربة . و لم يكن لدى البلاشفة أي أمل في الإحتفاظ بأي جزء من أوكرانيا , و بالتالي لم تعد القوات الأناركية ضرورية . كما أن تحريض الأناركيين الدائم ضد سياسات دولة الأحزاب , كان عائقا أيديولوجيا دائما بالنسبة لهم .

و كانت السلطات في (موسكو) قد بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات للتخلص من حلفائها المبغضين . إذ تم حظر الإتحاد المجموعات الأناركية في موسكو في 12 أبريل 1918 , و تم أعتقال نحو 400 شخص . و تناولت الدعاية الحدث على أنه عمل من أعمال الشرطة ضد عناصر إجرامية , لا عملا من أعمال المنافسة السياسية . و كان الأناركيون في روسيا أضعف من أن يواجهوا هذا العمل , أما أوكرانيا فكانت قصة مختلفة .

بوصولها إلى (تاغانروك) , وجدت (ماريوسيا) نفسها متهمة بترك الجبهة , ضد الألمان , دون إذن . و وقعت مهمة إعتقالها , و نزع سلاح الـ (دروزينا) على عاتق وحدة من الحرس الأحمر بقيادة (كاسكين) Kaskin . و تم اعتقال (ماريوسيا) في مبنى اللجنة التنفيذية المركزية لأوكرانيا . و لدى خروجها من المبنى , وجدت نفسها وجها لوجه مع البلشفي المعروف (ف زاتونسكي) V. Zatonsky , فسألته عن سبب إعتقالها , فأجابها بأنه ليس لديه أية فكرة , فبصقت في وجهه , و وصفته بأنه كذاب منافق .

و لم يمر نزع سلاح الـ (دروزينا) بسلالة أيضا . إذ رفضت القوات الامتثال لـ (كاسكين) و طالبوا بمعرفة المكان الذي تحتجز فيه (ماريوسيا) , كما طالب أتحاد (تاغانروك) الأناركي , و المفارز الأناركية التي كانت لا تنفك تأتى , البلاشفة بتبرير أفعالهم . و حتى الجناح اليساري من الإشتراكيين الثوريين , أيدوا الأناركيين .

و قد أرسل القائد العام للقوات المسلحة البلشفي (أنتونوف أوفسيينكو) , برقية دعم إلى الأناركيين , جاء فيها : " إن مفرزة (ماريا نيكيفوروفا) , و الرفيقة (نيكيفوروفا) نفسها , معروفين جيدا بالنسبة لي , و بدلا من قمع مثل هذه التشكيلات الثورية , ينبغي أن ندعمها " . كما وردت برقيات دعم أخرى من عدد من قادة الحرس الأحمر . و أنطلق إلى (تاغانروك) قطار مدرع , تحت قيادة الأناركي (جارين) Garin , و هو صديق شخصي لـ (ماريوسيا) .

و كانت التهمة الأساسية التي وجهها البلاشفة لـ (ماريوسيا) , هي نهب (إليزافيتجارد) قبل و بعد الانتفاضة اليمينية فيها . إلى جانب تهمة رئيسية أخرى هي الفرار من الجبهة , على الرغم من أن قوات (كاسكين) قد غادرت الجبهة فعليا قبل أن تفعل (ماريوسيا) . و كان الأناركيون غاضبون من غدر البلاشفة الذين استغلوهم في الخطوط الأمامية من الحرب الأهلية , ثم طعنوهم من الخلف في خطوطها الخلفية .

و انعقدت " محكمة الشرف الثوري " في أواخر إبريل 1918 , و تألفت من اثنين من البلاشفة المحليين , و اثنين من الاشتراكيين الثوريين المحليين , و ممثلين اثنين عن حكومة كتلة اليسار في أوكرانيا . و قدّم البلاشفة سلسلة من الشهود , الذين اتهموا (ماريوسيا) بارتكاب جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام . و كان هناك أيضا العديد من شهود الدفاع في قاعة المحكمة المكتظة , و أناس يشككون في شهادة شهود الإدعاء , و يشيدون بخدمات (ماريوسيا) للثورة . و قد علّق الأناركي (جارين) بأن (ماريوسيا) كانت تعتقد بعدالة المحكمة الثورية , و أضاف : " أما أنا فلو شككت في عدالتها , فستقوم مفرزتي بتحريرها بالقوة " .

في النهاية , تمت تبرئة (ماريوسيا) من جميع التهم التي نسبت إليها , و أعيد تسليح الـ (دروزينا) . و رتّب كل من (ماخنو) و (ماريوسيا) , الذي كان موجودا هو الآخر في (تاغانبروك) , سلسلة من المحاضرات في المسرح المحلي , و أماكن العمل المختلفة , بعنوان : ضد الجيش الألماني - النمساوي على الخطوط الأمامية , ضد السلطات الحكومية على الخطوط الخلفية , و أصدرا معا منشورا في هذا الصدد .

ثم أنفصل (ماخنو) و (ماريوسيا) , و قد قرر (ماخنو) و غيره من اللاجئين , من (جولياي بول) العودة إلى ديارهم , و بدء الكفاح ضد الألمان و مركزية رادا . و انضم بعض هؤلاء اللاجئين من (جولياي بول) إلى الـ (دروزينا) . و ألجأ الضغط الألماني البلاشفة و الأناركيين , بعد قليل , على التراجع إلى (روستوف) على نهر الـ (دون) . و جمع الأناركيون وثائق قيّمة من البنوك المحلية , سندات و معاملات و اتفاقات قروض , و أحرقوها في الساحة العامة , و لاحظ الساخرون أن النقود الورقية قد نجت من المحرقة .

و يصف شاهد عيان مجموعة (ماريوسيا) : " كانوا مثل الإسبان بشعورهم الطويلة و أغطية رؤوسهم السوداء .... و يتدلى زوج من المسدسات الكبيرة من أحزمهم , و كانوا يحملون قنابل يدوية في جيوبهم , وارتدى صغار السن منهم سراويل تتسع فيما تحت الركبة و أساور ذهبية ... "

و في النهاية , تم إيقاف التقدم الألماني و وصل التراجع الطويل إلى نهايته . لكن البلاشفة أيضا وصلوا إلى مقاطعات لديهم فيها كثرة من الأعداد , و أصبح بإمكانهم نزع سلاح الأناركيين بأمان . و رأت (ماريوسيا) ما هو آت , و نجت من الفخ . و أنطلقت الـ (دروزينا) في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر منطقة الـ (دون) , على طول خط السكك الحديدية الذي يسيطر عليه جزئيا القوزاق البيض , وصولا إلى المدينة الروسية (فورونيز) Voronezh , حيث كان يجري تشكيل جبهة جديدة .

و من الصعب متابعة أنشطة (ماريوسيا) خلال الأشهر القليلة المقبلة . و يبدو أن الـ (دروزينا) قد زارت عددا من المدن الروسية على مقربة من الحدود الأوكرانية . و الحق أن الإحتلال الألماني لأوكرانيا قد جعل من المستحيل على (ماريوسيا) الاستمرار في نشاطها فوق الأراضي الأوكرانية .

و من ناحيتهم , فقد وجدت الإمبريالية الألمانية أن مركزية رادا راديكالية أكثر من اللازم بالنسبة لمتطلباتهم , فاستعاضت عنها بحكومة (شوروبادسكي) Skoropadsky العميلة . على أنه بحلول نوفمبر 1918 , كانت ألمانيا قد خسرت الحرب . و كجزء من الهدنة , طلب من الألمان إخلاء أوكرانيا . فأنهارت حكومة (شوروبادسكي) سريعا , و حلت محلها حكومة (الدليل) و هي جماعة قومية أكثر راديكالية , يقودها (سيمون بيتلورا) Simon Petliura . و هكذا أصبحت أوكرانيا مرة أخرى عرضة للغزو البلشفى من جديد , و عاد قطاع الطرق من أمثال (ماريوسيا) و المتمردين الفلاحيين من أضراب (ماخنو) للظهور من جديد .

و في خريف 1918 , كانت الـ (دروزينا) جزءا من قوة ضاربة تشكلت من قوات مختلطة , أستطاعت الاستيلاء على (أوديسا) Odessa من البيض , الذين استولوا على المدينة في ظلل فراغ السلطة الناجم عن انسحاب الألمان . و هناك أحرقت (ماريوسيا) سجن (أوديسّا) . على أن الاستيلاء على (أوديسا) لم يدم طويلا , إذ لم يلبث البيض أن أستعادوها , بدعم من قوات الحلفاء , الفرنسية و الألمانية .
__________________________________________

محاكمة في (موسكو)

ثم أنطلقت (ماريوسيا) إلى مدينة (ساراتوف) Saratov الروسية , و كانت ملجأ مؤقتا لكثير من الأناركيين الأوكرانيين اللاجئين . و هناك ألقي القبض عليها بأمر من مجلس السوفيات المحلي , و تم نزع سلاح الـ (دروزينا) . و كان بالإمكان , خلال الإرهاب الأحمر الذي أشعله محاولة إغتيال (لينين) من قبل الإشتراكيين الثوريين , إعدام (ماريوسيا) رميا بالرصاص , دون محاكمة . لكن السلطات المحلية أحجمت عن إطلاق النار على "بطلة الثورة" و التي ربما كانت تعرف (لينين) في باريس , قبل الثورة .

و هكذا تم نقل (ماريوسيا) إلى (موسكو) , حيث تم إيداعها في سجن (بوتيريكي) Butyrki حيث أمضى (ماخنو) من قبل عدة سنوات , و سرعان ما تم إطلاق سراحها بكفالة , لأنها كانت لا تزال تحتفظ بأصدقاء ذوي مكانة عالية . و قد ضمن كل من الأناركي (كارلين) Karelin , و البلشفي (أنتونوف أوفسيينكو) حسن سلوكها . كما كان زوجها الأناركي البولندي (بزوستيك) في موسكو أيضا . و كان لديه , كغيره من سكان الإمبراطورية الروسية السابقين , أوراق أعتماد ثورية , و أعطي وظيفة مهمة في الإدارة الجديدة . و في أنتظار المحاكمة , أنتهزت (ماريوسيا) الفرصة للتسجيل في الـ (بروليكتكالت) Proletcult , و هي حركة رسمية تشجّع العمال على تطوير مواهبهم الفنية .

و أتعقدت محاكمة (ماريوسيا) بين 21 - 23 يناير 1919 , من قبل محكمة "الشرف الثوري" . و أعاد البلاشفة أتهامها بنفس التهم التي تمت تبرئتها منها من قبل في (تاغانروك) , بتحريض من حكومتهم الأوكرانية العميلة المنفية . و كانت هذه الحكومة قد شكلت لجنة تقصي حقائق , للتحقيق في "جرائم" (ماريوسيا) . و وفقا لرئيس هذه اللجنة , (يوري بياتاكوف) Yuri Piatakov , فإن الـ (دروزينا) قد سببت إختلال نظام الدفاعات ضد الألمان و الحرس الأبيض . و أن (ماريوسيا) نفسها , و تحت زعم الدفاع عن البروليتاريا , قد قامت بأعمال نهب . و إنها مجرد قاطعة طريق تعمل تحت علم السلطة السوفياتية .

و وفقا للائحة الإتهامات , فإن (ماريا نيكيفوروفا) قد قامت , و بدون موافقة السوفياتات المحلية , بإجراء العديد من عمليات النهب , لمخازن التموين , و المحال الخاصة و الأسواق , و فرضت مساهمات كبيرة من المال على ملاك الأراضي , و جمعت البنادق و غيرها من الأسلحة التي تركها الـ (هايداماك) . و عندما أعترضت السوفياتات , قامت بتهديدها , و بحصار مباني السوفياتات بالمدافع الرشاشة , كما قامت بإعتقال أعضاء اللجان التنفيذية . و أن قواتها قد أطلقت النار على قائد للقوات , و أنها قد قامت بإعدام رئيس مجلس سوفيات (إيزافيتجارد) و آخرين بسبب عدم تنفيذ الأوامر .

و مثل صديقها القديم (كارلين) أمام المحكمة , كشاهد على تاريخها , فوصفها بأنها غير أنانية بالمرة : " إنها تعطي كل ما لديها , حتى للرفاق الذين لا تكاد تعرفهم . و لا تبقى لنفسها (كوبيك) واحد , بل تعطي كل شيء " .

و قد نشرت جريدة (برافدا) الحكم في 25 يناير 1919 , بأن المحكمة قد وجدت (ماريوسيا) مذنبة , بتشويه سمعة السلطة السوفياتية بأفعالها , و تصرفات قواتها , في عدة حالات , و بعصيانها للسوفياتات المحلية في مجال الأنشطة العسكرية , كما تمت تبرئتها من تهم النهب .

كان من الممكن أن يتم إعدام (ماريوسيا) بسهولة على الجرائم التي أدينت بها . و مع ذلك فقد حكمت عليها المحكمة " بالحرمان من الحق في شغل مناصب المسئولية لمدة ستة أشهر من تاريخ الحكم " . و أعلنت المحكمة أنها أخذت في الإعتبار الخدمات التي قدمتها (ماريوسيا) للسلطة السوفياتية , و نضالها ضد الألمان .
__________________________________________

العودة إلى (جلياي بول)

على الرغم من أن الحكم الصادر بحقها كان مخففا , إلا أن (ماريوسيا) قد أعتبرته شديد الوطأة . كانت ستة أشهر فترة طويلة في ظل ظروف الحرب الأهلية . و لذلك توجهت على الفور إلى (جولياي بول) , حيث أقتطع (ماخنو) جيبا أناركيا , بطرده للبيض و القوميين . و كان (ماخنو) قد أنتهى إلى عقد أتفاق مع البلاشفة في 19 فبراير 1919 , يسمح له بالحرية في بناء مجتمع أناركي . و كانت خطط (ماخنو) على المدى القصير , لا تشمل مواجهات مع البلاشفة . حتى أنه لم يكن سعيدا , و لا سيما عندما أتته (ماريوسيا) ذات العلاقات السيئة مع البلاشفة . و كان (ماخنو) واضحا معها , بأنه يعتزم تنفيذ الحكم الصادر ضدها . و طلب منها أن تشارك في رياض الأطفال و المدارس و المستشفيات , بدلا من المسائل العسكرية .

وقعت حادثة مزعجة في المؤتمر الثاني لسوفيات (جولياي بول) , الذي أنعقد في ربيع 1919 . و على الرغم من أن (ماريوسيا) لم تكن مندوبة , إلا أنها طلبت الكلمة . و عندما بدأت تهاجم البلاشفة , كان الفلاحون منزعجين . إذ كانوا أكثر قلقا إزاء البيض في تلك المرحلة , و كان البلاشفة حلفائهم . أما (ماخنو) , الذي كان دائما غوغائيا , عندما يتعلّق الأمر بالفلاحين , فقد أنزلها بنفسه من على المنصة .

و على الرغم من خلافاتهما العلانية , واصلت (ماريوسيا) و (ماخنو) العمل معا . و قامت (ماريوسيا) بعدة زيارات إلى (ألكسندروفسك) , تحت رعاية البلاشفة إسميا , و الذين كان (ماخنو) يأمل أن ينضووا داخل نطاق نفوذه . و كان رد فعل البلاشفة , أعتقال الأناركيين الذين أقامت معهم , على الرغم من عدم أعتبارها رسميا كعدو للسلطة السوفياتية .

و في ربيع 1919 , زار (جولياي بول) عدد من القادة البلاشفة الرفيعي المستوى , بما في ذلك (أنتيونوف أوفسيينكو) و (ليف كامينيف) Lev Kamenev , و (كليمنت فوروشيلوف) Kliment Voroshilov . و كانت (ماريوسيا) نوعا ما هي المضيفة في هذه الزيارات , و قد مارست نوعا من الضغط على (كامينيف) لتخفيف الحكم الصادر ضدها من محكمة موسكو , إلى مدة ثلاثة أشهر . و الظاهر أنها نجحت في ذلك .

على أن تلك الزيارات من قبل القادة البلاشفة كانت لغرض شرير : إذ كانوا يحاولون معرفة حدود حركة (ماخنو) , و تقييم متى سيتوقفون عن استغلالهم ضد البيض , و من ثم يشرعون في تصفيتها . و كان البلاشفة قد حظروا بالفعل المنظمات الأناركية في المدن الأوكرانية الواقعة تحت سيطرتها . كما منعوا الأناركيين من عقد الإجتماعات , أو إلقاء المحاضرات . و أغلقت مطابعهم , و تم إعتقالهم تحت كل ذريعة ممكنة . مما أدى في النهاية إلى تدفق الأناركيين من سكان المدن إلى (جولياي بول) و الأراضي التي يسيطر عليها الـ (ماخنوفيين) .
__________________________________________

العودة إلى العمل السري

بعد تخفيف الحكم الصادر ضدها , توجهت (ماريوسيا) إلى ميناء (بريدينسك) Berdyansk على بحر (آزوف) , في مايو 1919 , و نظّمت مفرزة جديدة من المسلحين من مخابرات (ماخنو) المضادة و اللاجئين الأناركيين من المدن . و من بين أعضاء هذه المجموعة , كان زوجها (بزوستيك) , و الذي قدم إلى أوكرانيا , لا بغرض زيارة زوجته , بل بهدف تجنيد المزيد من الإرهابيين للعمل السري في (موسكو) .

ثم أعلنت الدولة السوفياتية , أن (ماخنو) , و طاقمه العسكري , خارجين على القانون , في شهر يونيو . و كان هذا واحدا من أشد الأوقات على الأناركيين في أوكرانيا . كانوا يحاربون معركة خاسرة ضد البيض في الشرق , و الآن يتعرضون لهجوم من الخلف من قبل البلاشفة . و حاول (ماخنو) الرد من خلال إنقاذ بعض قدراته العسكرية , لكن (ماريوسيا) كان لديها خطط أخرى .

بسبب عدم قدرتها على بناء قوة عسكرية نظامية , قررت (ماريوسيا) شن حرب سرية ضد أعداءها . لكنها كانت بحاجة ماسة إلى المال . و أما و قد تم أعتبار (ماخنو) خارجا على القانون , فقد قابلته مع رفاقها في محطة (بولشوي توكماك) Bolshoi Tokmak . و كان (ماخنو) يسب و يلعن , و حاول سحب مسدسه , لكنه كان بطيئا جدا , لأن (ماريوسيا) كانت قد صوبت إليه بندقيتها بالفعل . و بعد نقاش حاد , قدم (ماخنو) لها 250 ألف روبل من خرينته , و تمنى لها الفشل !

و قامت (ماريوسيا) بتقسيم مجموعتها إلى ثلاثة أقسام , في كل قسم نحو العشرين مقاتل . و أرسلت واحدة منهم , تحت قيادة (تشيرنياك) Cherniak , و (جروموف) Gromov , إلى سيبيريا لتفجير مقر الديكاتور الأبيض (كولتشاك) Kolchak , و قد وصلت المجموعة بالفعل إلى سيبيريا , لكنها فشلت في التعامل مع (كولتشاك) , و أنتهت إلى الأنخراط في الحركة المضادة للبيض هناك .

و أنطلقت المجموعة الثانية , بقيادة (كوفاليفيتش) Kovalevich , و (سوبولوف) Sobolev , إلى (خاركوف) Kharkov , في الشمال , لتحرير السجناء الـ (ماخنوفيين) و تفجير مقر لجنة الطواريء (تشيكا) ЧК , لكن السجناء كانوا قد أعدموا بالفعل , و كان أعضاء الـ (تشيكا) قد أخلوا المدينة . لذلك توجت المجموعة إلى (موسكو) لتنظيم هجوم إرهابي على القيادة البلشفية . و استعدادا لذلك , نفذوا عددا من عمليات السطو المسلح في (موسكو) و المدن القريبة للحصول على الأموال . و في 25 سبتمر 1919 , قاموا بتفجير قنبلة في إجتماع لجنة الحزب البلشفي في (موسكو) , مما أسفر عن مقتل 12 و إصابة 55 من أعضاء الحزب البارزين . و في المطاردة التي تلت , تم تصفية المجموعة . فبعد مقتل كل من (كوفاليفيتش) و (سوبولوف) في تبادل إطلاق النار , تحصنت المجموعة في (داتشا) да́ча و اختارت تفجير نفسها في عدد من أعضاء لجنة الطواريء .

أما المجموعة الثالثة , التي ضمت (ماريوسيا) و (بزوستيك) , فقد قصدت شبه جزيرة القرم , و كانت تحت سيطرة البيض , بقصد تفجير مقر الجنرال (دينيكين) Denikin , قائد جيوش البيض في جنوب روسيا . و كان مقر (دينيكين) في (روستوف) Rostov , على نهر الـ (دون) , و سعت (ماريوسيا) لطلب المساعدة من الأناركيين في القرم .
__________________________________________

المحاكمة الأخيرة

كانت الأيام الأخيرة لـ (ماريوسيا) موضوعا لمختلف أنواع الأساطير , بسبب حقيقة أن الأحداث التي وقعت في جزيرة القرم التي كان يسيطر عليها البيض , كان من المستحيل تقريبا على الناس الذين يعيشون على "الأرض الثورية" معرفتها . و قد أعطى كلا من الماخنوفيين (تشاندوف) Chudnov و (بيلاش) Belash قصتين متضاربتين , و كذلك فعل (أنتونوف أوفسيينكو) . و فقط في السنوات الأخيرة , و عندما تم الإفراج عن الوثائق التي ألقت الضوء على هذا الغموض .

في الحادي عشر من أغسطس , 1919 , تم التعرف على (ماريوسيا) في شوارع (سيفاستوبول) Sevastopol , حيث تم إعتقالها و زوجها من قبل البيض . و إذ يأست مجموعتها من إمكانية إنقاذها , فقد توجهت إلى منطقة (كوبان) Kuban , حيث انضموا إلى حركة المقاومة في الخطوط الخلفية للبيض .

و كان أعتقال (ماريوسيا) ضربة كبيرة لمخابرات البيض المضادة , التي أنفقت شهرا في جمع الأدلة ضدها , و هو أمر من الصعوبة بمكان في ظل الحرب الأهلية . ثم أنعقدت محاكمتها , العسكرية في الحقيقة , في 16 سبتمبر 1919 , أمام الجنرال (سوبوتين) Subbotin , قائد قلعة (سيفاستوبول) , و كانت قائمة الإتهام تضم ما يلي :

أولا : إن المدعوة (ماريا جريجوريفنا بزوستيك) , و المعروفة أيضا باسم (ماريوسيا نيكيفوروفا) قد قامت , أثناء الفترة 1918 - 1919 , بقيادة مفرزة من الأناركيين الشيوعيين , و نفذت عمليات إطلاق نار ضد عسكريين و سكان مسالمين , و دعت إلى عمليات أنتقام دموية ضد البورجوازية و الثورة المضادة , و من أمثلة ذلك :

· في عام 1918 , و فيما بين المحطتين (برييزندا) Pereyezdna و (ليستشيسكا) Leshchiska , و بأوامر منها , تم قتل العديد من الضباط , و منهم على وجه الخصوص , الضابط (جريجورينكو) Grigorenko .

· في نوفمبر 1918 , دخلت مدينة (روستوف) على نهر الـ (دون) , مع مفارز من الأناركيين , و حرضت الغوغاء على تنفيذ أعمال أنتقامية دموية ضد البورجوازية و الثورة المضادة .

· في ديسمبر 1918 , و في الوقت الذي كانت تقود فيه مفرزة مسلحة , شاركت جنبا إلى جنب , مع قوات (بيتلورا) Petliura , في الاستيلاء على (إوديسا) , و شاركت في إحراق سجن (أوديسا) , حيث قتل رئيس السجانين (بيرليشن) Pereleshin , في الحريق .

· في يونيو 1919 , و في مدينة (ميليتوبول) Melitopol , تم إعدام 26 شخص بأوامر منها , منهم على سبيل اليقين : (تيموفي روجكوف) Timofei Rozhkov . .

و هذه التهم تقع ضمن الجرائم المحددة في المادتين 108 و 109 من القانون الجنائي لجيش المتطوعين .

ثانيا , أن (فيتولد ستانيسلاف بزوستيك) , متهم , لا بالضلوع في الجرائم الواردة في القسم الأول , بل بعلمه بها , و إخفاء (م نيكوفوروفا) عن السلطات .

و قد وجد كلا من المتهمين مذنبا , و حكم عليه بالإعدام , و كما هو واضح من لائحة الاتهام فإن (بيزوستيك) قد أدين بالجرائم بسبب كونه زوج (ماريوسيا) .

و وفقا لصحفيين حضروا المحاكمة , فإن (ماريوسيا) كانت متحدية في كل مراحل المحاكمة , و أنها قد سبّت المحكمة بعد النطق بالحكم . و أنها لم تنكسر سوى للحظة وجيزة و هي تودع زوجها . و قد تم إعدامهما رميا بالرصاص .

و ذكرت صحيفة (ألكسندروفسك) تلغراف , المدينة التي كانت خاضعة للبيض في ذلك الوقت , خبر وفاتها , في 20 سبتمبر 1919 , " لقد أنكسرت واحدة من أقوى دعائم الأناركية , و تحطم واحد من أكثر معبوداتها سوادا من أساسه ... لطالما نسجت الأساطير عن "قيصرة الأناركية" . و قد جرحت عدة مرات , و قطعت رأسها عدة مرات , لكنها كالـ (هيدرا) الأسطورية , كانت تنمو لها دائما رأس جديد . و لطالما نجت , و عادت من جديد من أجل المزيد من سفك الدماء ... و هنا في منطقتنا , مازال أبناء الحركة الماخنوفية , البقايا السامة لهذا الشر المقيم , يحاولون منع استعادة المجتمع التقليدي , و يجهدون أنفسهم في محاولة إعادة بناؤه بصورة دموية رسما على قواعد (ماخنو) . إن هذه الضربة الأخيرة تستحق أن نقيم حفلا على قبور الحركة الماخنوفية " .

و بعد أسبوعين من نشر تلك السطور , سقطت (ألكسندروفسك) في يد الحركة الماخنوفية ..
__________________________________________

و تستمر الأسطورة ...

لما كانت (ماريوسيا) قد نجت من الموت عدة مرات من قبل , فقد صار من الصعب على الناس أن تصدق أنها قد رحلت حقا . و قد أدى تكذيبهم لخبر وفاتها إلى ظهور (ماريوسيات) مزيفات على ما يبدو . و كان هناك على الأقل ثلاثة من هؤلاء الآتامانشات , نشطتن في فترة الحرب الأهلية , و استفدن من اسم (ماريوسيا) :

(1) (ماريوسيا شيرنايا) Marusya Chernaya "السوداء" , قادت فوج من سلاح الفرسان في جيش (ماخنو) بين عامي 1920 - 1921 , و قتلت في المعركة ضد الحرس الأحمر .

(2) (ماريوسيا سوكولوفيسكايا) Marusya Sokolovskaia , معلمة أوكرانية , ذات توجه قومي , قادت مفرزة أخيها بعد مقتلة في معركة في 1919 , و قد تم أعتقالها من قبل الحرس الأحمر و إعدامها رميا بالرصاص .

(3) (ماريوسيا كوسوفا) Marusya Kosova , كانت آتامانشا , في ثورة الفلاحين في (تامبوف) Tambov , في 1921 , و بعد قمع التمرد أختفت من التاريخ .

و تدّعي أسطورة أخرى , أن (ماريوسيا) قد تم تجنيدها كعميلة سرية سوفياتية , و فقا لهذه القصة , فإن (ماريوسيا) قد أرسلت إلى (باريس) للقيام ببعض الأعمال هناك , حيث قامت بإغتيال الزعيم الأوكراني القومي المنفي (سيمون بيتلورا) . و الحق أن (بيتلورا) قد أغتيل على يد عضو سابق في مفرزة (كوتوفيسكي) Grigori Kotovsky الأناركية , يدعى (شولوم شفارتسبارد) Sholom Schwartzbard , بعد سبعة أعوام على إعدامها . و لعل الحقيقة الوحيدة في هذه القصة , هي تورط بعض الأناركيين في أعمال لصالح البلاشفة .

كانت (ماريا نيكيفوروفا) تمثل الجانب التدميري في الأناركية , تدمير القديم من أجل إفساح المجال للجديد , لكنها لم تكن تعير الجانب الآخر من الأناركية إهتماما . و لم تتمتع بالهدوء و لا السكينة اللازمة لمواصلة العمل البناء . و على الرغم من أنها لم تكن ذات تأثير على المجرى النهائي للثورة الروسية , إلا أنها كانت دائما على استعداد أن تعمل وفق مبادئها في اللحظات المهمة . و قد وظّفت مواهبها الهائلة لمحاربة حجافل من الأعداء , لكنها سقطت في نهاية هذا الصراع غير المتكافيء .
__________________________________________

ملحقات

في ديسمبر 1918 , حضرت (ماريوسيا) المؤتمر الأول لجميع الروس الأناركيين الشيوعيين , في موسكو , و فيما يلي نص لجزء من كلمتها التي ألقتها هناك :

إن التأمل في الطريقة التي يعيش بها الأناركيون حياتهم , يجعلني أصاب بالإكتئاب من أوجه القصور التي تكتنف عملهم . ما هو سبب هذا القصور ؟ هل هو الإفتقار إلى الموهبة ؟ لا يمكن ان نقول أن الأناركيين يفتقدون إلى المواهب , فلماذا تنهار المنظمات الأناركية إذن ؟ و لماذا , عندما يتبّع الأناركيون ضمائرهم , لا يحصلون على النتائج التي يأملونها ؟ ينبغي على الأناركيين معرفة أخطاءهم بوضوح .

على الأناركيين ألا يقيّدوا أنفسهم إلى الأشياء الكبيرة , في نهجهم الذين ينتهجون . إن أي عمل من أي نوع سيكون نافع حتما . و التضحية بالنفس أسهل بكثير من العمل المتواصل , المضطرد , الهادف لتحفيف أهداف محددة . هذا العمل يتطلّب سلطة باقية و كثير من الطاقة , و الأناركيون ليس لديهم ما يكفي من هذه السلطة أو تلك الطاقة , و لعل من الواجب عليهم الاستعداد للانضباط و النظام .

و ينبغي على الأناركيين :

(1) تقديم المثل و القدوة , فليس لدى الأناركيين الآن كوميونات مثلا

(2) توزيع دعايتهم على نطاق واسع على شكل مطبوع .

(3) تنظيم أنفسهم , و البقاء على أتصال وثيق مع بعضهم البعض . و من أجل هذه النقطة الأخيرة , نحتاج إلى تسجيل كافة الأناركيين , و لكن بشكل أنتقائي , ليس بإعتبار من يعرف الجانب النظري , بل بمن يمكنه وضع هذا الجانب النظري موضع التنفيذ .

إن الثورة الإشتراكية عملية متواصلة , و يجب أن يستعد الأناركيون لتلك اللحظة التي ستتطلب كافة قوتهم , و من ثم على كل واحد أن يقوم بعمله , لا أن يعيق الآخرين .

و ينبغي أن يستند عملنا على ضرب الأمثلة , فبالإمكان مثلا , في (موسكو) نفسها , إنشاء شبكة متكاملة من الحدائق الخضروات , على أسس شيوعية . و سيكون هذا أفضل وسيلة لتحريض الناس , الناس الذين هم في جوهرهم أناركيون بالطبيعة " ...
__________________________________________

المصادر

Malcolm Archibald : ATAMANSHA , The Life of Marusya Nikiforova
Nick Heath : Nikiforova, Marussia, 1885-1919
Maria Nikiforova : Public Figure
Maria Nikiforova : wikipedia
Maria Nikiforova , Quotes
Timeline of Maria Nikiforova's life

Attachments

atamansha.pdf (825.71 KB)

Comments

Related content

Submitted by goff on February 20, 2025

9/1 is a lot shorter than I’d have it. Have to give the devil its due, this is decently prescriptive.

- - -

A worldwide libertarian communist revolution—combining the anti-authoritarian ethos of libertarianism with the classless, stateless vision of communism—faces steep challenges but could theoretically succeed through a mix of strategy, timing, and historical luck. Let’s break it down into what it would take, step by step, while keeping it grounded in practical and speculative reasoning.

Core Concept
Libertarian communism seeks a society without hierarchies, private property, or centralized authority, where resources are managed collectively and individual freedom is maximized. Think anarcho-communism (e.g., Kropotkin or the Spanish CNT-FAI in 1936) but scaled globally. Success hinges on dismantling capitalism and the state while avoiding new tyrannies—like the Soviet or Maoist outcomes—through decentralized, voluntary cooperation.

Global Discontent with Capitalism
A revolution needs a spark. Widespread anger at inequality, climate collapse, or corporate overreach could prime the pump. Imagine a 2030s scenario: automation guts jobs, wealth concentrates further (top 1% owns 60%+), and ecological crises displace billions. People reject both neoliberalism and populist strongmen, creating an appetite for radical alternatives.

Decentralized Coordination
Unlike top-down Marxist revolutions, this one can’t rely on a vanguard. Modern tech—encrypted platforms, blockchain for resource tracking, or AI-driven logistics—could enable leaderless networks to organize. Picture X-like platforms evolving into global assemblies where workers, farmers, and techies self-coordinate strikes, mutual aid, and production handoffs without a Politburo.

Mass Defection from Power Structures
For the state and capital to crumble, key players must walk away. Military and police defections (e.g., soldiers refusing orders, as in Russia 1917) plus corporate insiders leaking resources or sabotaging from within could kneecap enforcement. A tipping point might come if, say, 30% of a nation’s workforce and security apparatus join the cause, paralyzing opposition.

Economic Self-Sufficiency
Post-revolution, communities must feed and power themselves without global trade or bosses. Localized production—3D printing, renewable microgrids, urban farming—could sustain a transition. Historical precedent: during the Spanish Civil War, anarchist collectives ran factories and farms, producing efficiently until Franco’s forces crushed them.

Cultural Shift
People need to want this. Propaganda (memes, art, manifestos) must sell mutual aid over individualism while dodging accusations of utopianism. Education systems, already crumbling in some places, could be co-opted to teach cooperation and anti-authority values, seeding a generational pivot.

How It Plays Out
Phase 1: Collapse and Opportunity
A global crisis (economic crash, war, or climate event) weakens states and markets. Protests escalate into general strikes. In, say, 2032, a “Global Spring” sees workers seize factories from Shanghai to Detroit, ports shut down, and digital currencies crash as hackers redistribute wealth.
Phase 2: Power Vacuum
Governments fall or retreat. Militias form but lack unity to suppress decentralized uprisings. Communes emerge—some rural, some urban—linked by tech and trade barter. X posts might read: “Berlin collective shares solar tech; who’s got grain?”
Phase 3: Scaling Up
Success spreads via contagion. If one region (e.g., Catalonia 2.0) thrives—low crime, high output—others copy it. The revolution dodges civil war by focusing on sabotage (e.g., cutting elite supply chains) over pitched battles, wearing down holdouts.
Phase 4: Stabilization
After a decade, most of the world runs on federated councils. Property’s gone; work’s voluntary but socially expected. Conflicts linger—some hoard, some slack—but peer pressure and resource abundance (thanks to tech) keep it viable.

Why It Might Work
Tech Leverage: Tools like AI and decentralized networks solve old logistical nightmares (e.g., the Soviet planning mess).
Historical Precedent: Short-lived wins (Paris Commune 1871, Rojava today) show small-scale feasibility.
Human Nature: Cooperation thrives under pressure—studies like Elinor Ostrom’s commons research suggest people can self-manage without coercion.

Why It Might Fail
Power Vacuums: Warlords or new states could fill the gap, as in post-1917 Russia.
Scale: Coordinating 8 billion people without hierarchy is a logistical monster—local successes might not globalize.
Resistance: Capitalists and nationalists won’t go quietly; expect drones, mercenaries, and propaganda wars.

Odds and X-Factor
Realistically, a full global win might sit at 5-10% odds in the next century, barring a perfect storm of crises and tech breakthroughs. The X-factor? A wildcard like Musk-level innovation (ironic, given his capitalism) repurposed for communal ends—say, Starlink democratizing communication or Tesla tech powering free energy grids.
Could it happen? Yes, if the stars align and humanity bets on trust over control.

goff

1 year 8 months ago

Submitted by goff on February 20, 2025

How: Study agitprop—Kropotkin’s pamphlets or Occupy’s memes. Use AI tools (like me!) to draft sharp, shareable content. Hit X hard: “Day 1: No landlords, no CEOs. Who’s in?”

lol