تأنيث الفقر من منظور نسوي اشتراكي

A woman, Shefali, learns of the discovery of her sister's corpse.
A woman, Shefali, learns of the discovery of her sister's corpse.

في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسالة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وانما اعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء اعادة انتاج الحياة دون اعتراف ودون اجر ودون حماية، فان الحديث عن المساواة يبقى خطابا معلقا في الهواء لا يلمس الارض التي تقف عليها ملايين النساء يوميا.

Submitted by SaraA on May 12, 2026

تأنيث الفقر من منظور نسوي اشتراكي

بيان صالح

2026 / 4 / 25

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي او اكاديمي، نميل في احيان كثيرة الى معاملته كظاهرة محايدة، كانه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد ان الفقر لا يوزع بالتساوي، وان النساء يتحملن عبئه بشكل اكثر حدة واستمرارية.

من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفا احصائيا فحسب، وانما اداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من اشكال متعددة من الاقصاء والتهميش.

ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية اعالة الاسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح ان الفقر ليس محايدا لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.

تشير احدث بيانات هيئة الامم المتحدة للمراة الى ان 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء اكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي ان فجوة الاجور بين الجنسين تبلغ 23% عالميا، وتقفز الى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب اسيا. هذه المعطيات تؤكد ان الفقر ليس محايدا من حيث الجنس، لكن الارقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لانها تصف الاعراض دون ان تحفر في الجذور.

---

حين يكون الاستغلال مزدوجا

لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الاجور، ويجب فهمه في اطار بنية اقتصادية اعمق تعيد انتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد ايضا انتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل اي اعتبار اخر.

هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين اكدت ان المراة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم احدهما دون الاخر: تستغل كعاملة باجر اقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الاسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن اعادة انتاج قوة العمل دون ان يكلف رأس المال شيئا. وقد اعادت انورادها غاندي التاكيد على هذا التحليل، مشيرة الى ان هذا الاستغلال المزدوج يتخذ اشكالا اكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

احد اهم تجليات هذا النظام هو الفصل بين العمل المنتج المعترف به اقتصاديا والعمل غير المدفوع الضروري لاستمرار الحياة. فالعمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به النساء يشكل اساسا لاعادة انتاج المجتمع، ومع ذلك لا يعترف به اقتصاديا، مما يؤدي الى تقليل قيمته واقصاء النساء من الاستقلال الاقتصادي. وحين تطالب النسوية الاشتراكية بالاعتراف بهذا العمل وتحويله الى مسؤولية مجتمعية عبر الحضانات العامة ودور الرعاية والخدمات الاجتماعية، فانها لا تطالب باصلاح جزئي، وانما باعادة تنظيم العلاقة بين الانتاج والتكاثر الاجتماعي في صميم النظام الاقتصادي.

في الوقت ذاته، تدمج النساء في سوق العمل بشكل غير متكافئ، اذ يتركزن في قطاعات منخفضة الاجر وهشة من حيث الاستقرار والحماية. وبدلا من ان يكون العمل الماجور وسيلة للتحرر الاقتصادي، يصبح في كثير من الاحيان امتدادا لاشكال التبعية، خاصة مع استمرار التمييز في الاجور وفرص التقدم المهني. ويتفاقم هذا الوضع بسبب العبء المزدوج الذي تتحمله النساء نتيجة الجمع بين العمل الماجور والعمل غير المدفوع داخل الاسرة، دون اعادة توزيع عادلة للادوار. وهذه الازدواجية ليست قدرا بيولوجيا ولا موروثا ثقافيا محايدا، وانما نتاج نظام اقتصادي طبقي يحتاج الى ابقاء النساء في موقع العاملة المرنة التي يمكن دفعها الى الهامش حين تقتضي مصلحة السوق ذلك، ثم استدعاؤها مجددا حين يحتاج الى يدها الرخيصة.

---

الازمات والتقشف: حين تدفع النساء ثمن ازمات لم يصنعنها

ما يزيد المشهد تعقيدا ان الازمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية تعمق تأنيث الفقر، حيث تتاثر النساء بشكل غير متناسب بهذه التحولات، خاصة في المجتمعات الاكثر هشاشة. وفي سياق عالمي تتقاطع فيه علاقات الاستغلال الاقتصادي مع اشكال الهيمنة التاريخية، تصبح النساء في مناطق واسعة من العالم اكثر عرضة لاقسى اشكال الفقر والتهميش.

غير ان الامر لا يتوقف عند الازمات الطارئة، فسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على دول الجنوب العالمي على مدى عقود تمثل نموذجا صارخا لتأنيث الفقر بقرار سياسي مقصود. حين تقلص الخدمات العامة من تعليم وصحة ورعاية، لا تختفي هذه الخدمات، وانما تنتقل الى كاهل النساء اللواتي يعوضن باجسادهن واوقاتهن ما اسقطته السياسة النيوليبرالية من موازنات الدولة. التقشف بهذا المعنى ليس سياسة محايدة، وانما سياسة ذات نوع اجتماعي تدفع النساء ثمنها اولا واكثر.

ولا يمكن الفصل بين النضال ضد سياسات التقشف والنضال من اجل حقوق المراة. فالمراة التي تفقد وصولها الى التعليم العام حين تخصخص المدارس، والمراة التي تضطر الى ترك العمل حين تغلق الحضانات العامة، والمراة التي تتحمل رعاية المرضى حين تقلص ميزانيات الصحة، جميعهن يدفعن ثمن قرارات اقتصادية اتخذت في مؤسسات دولية لا تنتخب ولا تحاسب. لذلك لا يمكن مواجهة تأنيث الفقر دون مواجهة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تنتجه وتعيد انتاجه.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح ايضا في مجالات العمل، حيث تقل مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، كما تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف هشة منخفضة الاجر ومحدودة الحماية. وتعاني النساء بدرجة اكبر من انعدام الامن الغذائي ومن غياب انظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعمق هشاشتهن الاقتصادية ويجعل اي صدمة خارجية اكثر قدرة على اسقاطهن الى ما دون حد الكفاف.

---

من التشخيص الى التغيير: نحو سياسات جذرية لا سطحية

ما يجعل هذه الظاهرة اشد خطورة انها لا تقتصر على كونها معاناة فردية، وتمتد اثارها الى مستوى الرفاه داخل الاسر، وتسهم في اعادة انتاج الفقر عبر الاجيال، وتحد من امكانات التنمية من خلال تهميش دور النساء واقصاء مساهماتهن الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يصبح تأنيث الفقر تعبيرا عن خلل بنيوي يتطلب معالجة جذرية، لا مجرد حلول جزئية تهدئ الاعراض دون ان تلامس الجذور.

وهنا تبرز الهوة بين الرؤية الطبقية للنسوية الاشتراكية والنسوية الاصلاحية التي تكتفي بالمطالبة بتمكين المراة ضمن النظام القائم دون المساس ببنيته. فبينما تركز التيارات الليبرالية على تمكين النساء فرديا عبر التعليم والتدريب والوصول الى التمويل الصغير، يرى هذا المنظور ان هذه الادوات لا تكفي ما لم تترافق مع تغيير جذري في علاقات الانتاج والملكية والسلطة. فالمراة التي تحصل على قرض صغير في مجتمع يقصيها من التعليم ويكبلها بالعمل المنزلي غير المدفوع وتحكمه قوانين عمل هشة، تظل اسيرة البنية ذاتها، حتى لو تحسنت اوضاعها نسبيا.

ان مواجهة هذه الظاهرة تستدعي سياسات قائمة على المساواة بين الجنسين والغاء الاستغلال الطبقي معا. يشمل ذلك تحقيق المساواة في الاجور، وضمان الحقوق القانونية للنساء في العمل، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الاكثر هشاشة، والاستثمار في التعليم والتدريب لتمكين النساء اقتصاديا. كما يتطلب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي، وتوفير خدمات عامة تقلل من عبئه، واعادة توزيع الادوار داخل الاسرة والمجتمع بما يسمح بمشاركة اكثر عدالة في العمل المدفوع وغير المدفوع.

غير ان هذه الاجراءات، رغم ضرورتها، تبقى قاصرة ما لم تحدث تغييرا في طبيعة علاقات الملكية التي تجعل عمل النساء ارخص واهش واقل حماية بشكل بنيوي. فالاعتراف الكامل بالعمل الرعائي لا يعني فقط احتسابه في الناتج القومي، وانما يعني تحويله الى مسؤولية جماعية تتكفل بها الدولة والمجتمع لا المراة وحدها. وتحقيق المساواة في الاجور لا يعني فقط رفع الحد الادنى، وانما يعني تفكيك التراتبية الطبقية في سوق العمل التي تجعل النساء، خصوصا من الطبقات الدنيا، الاكثر هشاشة في كل ازمة.

في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسالة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وانما اعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء اعادة انتاج الحياة دون اعتراف ودون اجر ودون حماية، فان الحديث عن المساواة يبقى خطابا معلقا في الهواء لا يلمس الارض التي تقف عليها ملايين النساء يوميا.

---

المصادر الاحصائية

1. UN Women, Gender Snapshot 2025: https://www.unwomen.org/en/node/476303

2. UN Women, Women aged 25-34 face higher poverty rates (2023): https://sundiatapost.com/2bn-women-girls-lack-access-to-social-protection-un-women/

3. UN Women, Equal Pay (CSW61): https://www.unwomen.org/en/news/in-focus/csw61/equal-pay

Comments

Related content